حين يخطئ الإنسان في قراءة القدر

حين يخطئ الإنسان في قراءة القدر
ما أكثر الأقدار التي تعبر بحياة الإنسان، وما أقل الأقدار التي تتركه كما كان! فالمحن لا تغيّر الظروف وحدها، بل تغيّر طريقة النظر إلى الحياة؛ وقد يكون أثرها الأكبر في العقل قبل أن يكون في الواقع. فهي تكشف كيف يقرأ الإنسان ما يقع له، وكيف يفهم ما غاب عنه، وكيف يتعامل مع المستقبل وهو لا يملك منه إلا الظن.
ومن هنا، لا ينشأ اليأس من الألم وحده، وإلا لتشابه الناس جميعًا في الاستجابة للمصائب. وإنما ينشأ حين يضيق أفق الإنسان حتى يظن أن اللحظة التي يعيشها هي الصورة الكاملة لحياته، وأن ما يراه اليوم هو ما سيبقى غدًا. وما أكثر الأحكام التي يصدرها الإنسان في ساعة الضيق، ثم يكتشف بعد زمن أنها لم تكن إلا أحكامًا على لحظة، لا على العمر كله.
ولهذا جاء التوجيه القرآني بالغ الإيجاز وعظيم الدلالة: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. فليس المقصود تهذيب المشاعر فحسب، بل تهذيب النظر؛ لأن الإنسان لا يحيط علمًا بما يدبره الله، ولا يرى من الأسباب إلا ظاهرها، أما ما وراءها فغيبٌ لا يعلمه إلا الله. وحين ينسى هذه الحقيقة، يخطئ في قراءة القدر، فيجعل من ضيق الحاضر حكمًا على سعة المستقبل.
وقد يبدو هذا الحديث مثاليًا أمام قسوة الواقع، فيقال: كيف لا ييأس الإنسان إذا تكاثرت عليه الأسباب، وانقطعت في وجهه السبل؟
والجواب: أن الإيمان لا يطلب من الإنسان أن ينكر الواقع، ولا أن يتجاهل الأسباب، وإنما يطلب منه ألا يجعلها الحقيقة كلها. فالواقع أوسع مما تدركه الأبصار، والأسباب ليست إلا جزءًا من سنن الله، وليست هي وحدها التي تصنع النتائج.
ولهذا لم تكن قصة يوسف -عليه السلام- مجرد قصة نجاة بعد محنة، بل درسًا في خطورة الحكم على الأحداث قبل اكتمالها. فالجب لم يكن نهاية، والسجن لم يكن خاتمة، وما بدا انكسارًا في حينه كان، في حقيقة الأمر، طريقًا إلى التمكين. ولم يتغير القدر بين أول القصة وآخرها، وإنما الذي تغير هو ما انكشف للناس منه.
ويتجلى المعنى نفسه في الهجرة النبوية؛ ففي غار ثور كانت الصورة الظاهرة توحي بأن المطاردة بلغت منتهاها، وأن أسباب النجاة تكاد تكون معدومة. ومع ذلك لم يختزل النبي ﷺ الحقيقة فيما تراه العين، بل فتح لصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه أفقًا أوسع حين قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. لم يكن ذلك إنكارًا للخطر، وإنما تذكيرًا بأن الخطر ليس كل الحقيقة، وأن تدبير الله لا تحده حدود الأسباب التي يراها الناس.
وليس هذا الدرس خاصًا بسير الأنبياء، بل تؤكده حركة التاريخ أيضًا. فاليابان، بعد الحرب العالمية الثانية، بدت أمة أنهكتها الحرب، حتى خُيّل لكثيرين أن مستقبلها قد انطفأ. ولو صُدِرَ الحكم عليها يومئذٍ، لكان حكمًا على لحظة لا على مسار. لكن التاريخ أثبت أن الأمم لا تُقاس بأوقات انكسارها، كما أن الإنسان لا يُقاس بأشد أيامه ألمًا.
ومن هنا، فإن التفاؤل ليس إنكارًا للواقع، كما أن الصبر ليس استسلامًا له. التفاؤل: أن يدرك الإنسان أن المستقبل لا يُختزل في الحاضر، وأن الغيب أوسع من حساباته المحدودة. والصبر أن يحفظ عقله من أن تتحول المحنة إلى تفسير دائم للحياة، فيمضي آخذًا بالأسباب، واثقًا بأن ما خفي من تدبير الله أعظم مما ظهر له من الوقائع.
ولعل أكبر ما يخطئ فيه الإنسان أنه يتعامل مع حياته كما لو كانت صفحة واحدة، بينما هي كتاب لم تُكتب فصوله كلها بعد. ومن الحكمة ألا يصدر حكمه على قصة لم يقرأ منها إلا فصلًا، ولا أن يجعل من عتمة ليلةٍ حكمًا على طلوع الفجر. فكم من باب ظنه صاحبه آخر الأبواب، فإذا به أول أبواب الفرج، وكم من قدرٍ أحزن القلب حين نزل، ثم حمد صاحبه الله عليه حين اكتملت حكايته.
لذلك لم يكن اليأس وليد الألم، بقدر ما كان ثمرة قراءةٍ متعجلة للقدر، وظنٍ بأن ما نراه اليوم هو كل ما سيكتبه الله غدًا.
إلى اللقاء
عبدالعزيز الموسى