كُتاب الرأي

الحج بعد العودة

الحج بعد العودة

كيف يتحول الحدث إلى أثر؟

حين يعود الحاج إلى بيته، تبدو الأشياء كما تركها تقريبًا؛ الشوارع نفسها، والوجوه نفسها، والعمل نفسه، وتفاصيل الحياة اليومية التي لم تتوقف أثناء غيابه. ومع ذلك، يشعر كثير من الحجاج أن شيئًا ما لم يعد كما كان. فالتغيير الذي أحدثته الرحلة لا يظهر في المكان بقدر ما يظهر في طريقة النظر إليه.

ولعل هذه هي خصوصية الحج بين كثير من الأسفار؛ فهو رحلة يعود منها الإنسان إلى حياته القديمة، لكنه لا يعود إليها بالشعور نفسه. ولذلك لا تبدأ الأسئلة الحقيقية دائمًا في المشاعر المقدسة، بل بعد مغادرتها. ماذا يبقى من تلك الأيام حين ينتهي الطواف الأخير؟ وكيف يعيش الإنسان تجربة استثنائية ثم يعود إلى إيقاع الحياة العادي؟

في الأيام الأولى بعد العودة، يظل الحاج يعيش بين عالمين؛ عالم قريب ما تزال تفاصيله حاضرة في الذاكرة، وعالم عاد إليه للتو ويحاول أن يستعيد إيقاعه. وبين العالمين تنشأ حالة خاصة يصعب وصفها؛ فالأماكن المألوفة تبدو أكثر هدوءًا، والانشغالات اليومية أقل إلحاحًا، وكأن الإنسان يحمل معه شيئًا من سكينة الرحلة قبل أن يبتلعه من جديد صخب الحياة.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تتكرر في كتابات الرحالة المسلمين إشارات إلى الأثر الذي تتركه الرحلة في النفس بعد انتهائها. فالحج لم يكن عندهم مجرد انتقال إلى مكان مقدس ثم عودة منه، بل تجربة تعيد ترتيب بعض الأولويات، وتمنح الإنسان فرصة نادرة للنظر إلى حياته من مسافة مختلفة. وفي هذا المعنى، لا تكمن قيمة الرحلة في ما يراه الحاج فحسب، بل في ما يراه بعد عودته.

وفي الحج يختبر الإنسان صورة مختلفة للعالم؛ ملايين البشر من لغات وأعراق وثقافات متعددة يتحركون داخل مقصد واحد. وحين يعود إلى مجتمعه الصغير، تبقى هذه الصورة الواسعة حاضرة في ذهنه، فتجعله أكثر وعيًا باتساع التجربة الإنسانية من حدود بيئته اليومية. وربما لهذا كان الحج، عبر التاريخ، أحد أهم التجارب التي وسّعت أفق المسلمين وربطت بينهم رغم تباعد الأوطان والمسافات.

كما تكشف تجربة الحج للإنسان هشاشة كثير من الفوارق التي تشغل المجتمعات في حياتها اليومية؛ فحين يقف الملايين باللباس نفسه، ويؤدون الشعائر نفسها، تتراجع الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية أمام حقيقة أكثر بساطة وعمقًا: أن البشر، مهما اختلفت مواقعهم، يتشاركون الضعف والأمل والحاجة إلى الرحمة.

لكن الأثر الأعمق للحج لا يتعلق باتساع العالم، بل باتساع الذات. ففي أيام معدودة يبتعد الإنسان عن كثير من عاداته اليومية، ويجد نفسه أمام أسئلة مؤجلة، ومراجعات لم يكن يملك الوقت الكافي للوقوف عندها. وحين يعود، لا يحمل إجابات نهائية بالضرورة، لكنه يعود بدرجة أعلى من الوعي بما يريد أن يكون عليه، وما ينبغي أن يتغير في حياته.

ولعل الزمن في بعض التجارب الإنسانية لا يُقاس بالساعات والأيام وحدها. فالحاج قد يغيب أيامًا معدودة، لكنه يعود أحيانًا وكأنه عبر زمنًا كاملًا من المراجعة والتأمل والانفعال الروحي. ولهذا يشعر بعض العائدين أن المسافة النفسية التي قطعوها خلال الحج كانت أطول بكثير من المسافة الجغرافية التي قطعوها بين أوطانهم ومكة.

ومن اللافت أن الذاكرة نفسها تعيد تشكيل تجربة الحج مع مرور الوقت. فبعد أشهر أو سنوات، لا يتذكر الإنسان غالبًا ساعات الانتظار الطويلة أو مشقة التنقل أو التعب الذي رافق الرحلة، بقدر ما يتذكر لحظة رؤية الكعبة لأول مرة، أو دعاءً في عرفة، أو سكينة ليلة في مزدلفة، أو لقاءً عابرًا ترك أثرًا لا يُنسى. وكأن الذاكرة تحتفظ بجوهر التجربة وتترك تفاصيلها العابرة تتوارى شيئًا فشيئًا. فبعض الرحلات لا تبقى في الذاكرة كما حدثت، بل كما أثّرت.

غير أن التحدي الحقيقي لا يبدأ في المشاعر المقدسة، بل بعد مغادرتها. فالحياة اليومية، بما فيها من مسؤوليات وعادات وضغوط، سرعان ما تستعيد حضورها. وهنا يتحول الحج من تجربة مؤثرة إلى اختبار عملي للثبات؛ إذ لا تُقاس قيمة الرحلة بما أثارته من مشاعر عابرة، بل بما تركته من أثر مستمر في السلوك والنظرة إلى الحياة. وليس كل من عاد من الحج رجع إلى ما كان عليه قبل الحج؛ فالعودة الجسدية تحدث للجميع، أما العودة النفسية فليست بالضرورة كذلك.

وربما لهذا السبب لا ينتهي الحج تمامًا عند مغادرة مكة. فبعض الرحلات تنتهي حين يصل الإنسان إلى وجهته أو يعود منها، أما الحج فغالبًا ما يستمر بصور مختلفة داخل الذاكرة والوجدان. ولهذا يشعر بعض الحجاج بشيء من الحنين منذ الأيام الأولى بعد عودتهم؛ ليس حنينًا إلى المكان وحده، بل إلى الحالة النفسية التي عاشوها هناك، وإلى ذلك الشعور النادر بالخفة والصفاء والتركيز على المعنى بعيدًا عن تشعبات الحياة اليومية. وتبقى بعض المشاهد عالقة في النفس: صوت التلبية، وامتداد الحجيج، ولحظات الدعاء، وسكينة الليل في المشاعر المقدسة، لا بوصفها ذكريات عابرة، بل بوصفها علامات على تجربة تركت أثرها في صاحبها.

وفي النهاية، لا يقاس الحج بعدد الأيام التي قضاها الإنسان في المشاعر، بل بما بقي منها بعد العودة. فالمسافة الأهم ليست تلك التي قطعها الحاج بين المدن والمشاعر، بل تلك التي قطعها بين صورته قبل الرحلة وصورته بعدها. ولهذا يعيش الحاج، لبعض الوقت على الأقل، بين عالمين: عالم عاد إليه، وعالم عاد به معه.

وربما يكون المعنى الأعمق للحج ألا يعود الإنسان من مكة شخصًا جديدًا تمامًا، بل أن يعود أكثر قدرة على أن يكون أفضل مما كان.

وربما لهذا لا يكون السؤال الأهم بعد الحج: ماذا رأيت في رحلتك؟ بل: ماذا أبقيت منها معك بعد أن انتهت؟

إلى اللقاء.

عبدالعزيز الموسى

 

عبدالعزيز الموسى

كاتب رأي وعضو التوجيه والإرشاد بالحرمين الشريفين سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.