لماذا نبكي على ما كنا نبكي منه؟

لماذا نبكي على ما كنا نبكي منه؟
من المفارقات العجيبة في النفس الإنسانية أن الإنسان كثيرًا ما يتحسر على أشياء كان يتذمر منها، ويشتاق إلى أيام كان يشكو منها، ويبكي على مراحل من حياته لم يكن يدرك قيمتها وهو يعيشها. فكم من إنسان تمنى الخروج من مرحلة معينة، فلما غادرها نظر إليها بعين الحنين، وكم من زمن ظنه عاديًا أو مثقلًا بالهموم، ثم اكتشف بعد رحيله أنه كان يحمل من النعم أكثر مما كان يتصور.
ولا تقتصر هذه المفارقة على الأفراد وحدهم، بل تمتد إلى المجتمعات والشعوب والأمم. فالتاريخ نفسه ليس سوى ذاكرة جماعية تحتفظ فيها الأمم بصورها المضيئة كما يحتفظ الأفراد بذكرياتهم الخاصة. وكما يحن الإنسان إلى مرحلة من عمره، تحن الشعوب إلى مراحل من تاريخها، وتستعيدها كلما شعرت أن شيئًا من قيمتها قد فُقد. ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: لماذا نبكي على ما كنا نبكي منه؟
لعل أول ما يلفت النظر أن الإنسان بطبيعته يرى ما ينقصه أكثر مما يرى ما يملكه. فهو يتطلع دائمًا إلى المرحلة التالية، ويظن أن ما ينتظره أفضل مما يعيشه الآن. الطالب يتطلع إلى التخرج، والشاب إلى الاستقرار، والموظف إلى التقاعد، وصاحب العمل إلى نجاح أكبر. وهكذا يعيش كثير من الناس حاضرهم وهم مشدودون إلى مستقبل يتخيلون أن فيه اكتمال ما ينقصهم. لكنهم حين يبلغون ذلك المستقبل يكتشفون أن المرحلة التي غادروها كانت تحمل من الخير ما لم يكونوا يرونه.
وليست المشكلة في الطموح ذاته، فالتطلع إلى الأفضل جزء من طبيعة الإنسان والعمران، لكن المشكلة حين يتحول إلى حالة دائمة من عدم الرضا. عندها يصبح الإنسان أسير ما ينقصه، فلا يكاد يلتفت إلى ما يملكه. ومع مرور الوقت يعتاد النعمة حتى تصبح جزءًا من المشهد اليومي، فلا تعود تثير انتباهه، ولا يشعر بقيمتها إلا عندما تتغير أو تغيب.
ويزيد الأمر تعقيدًا أن الذاكرة ليست أرشيفًا محايدًا للأحداث. فنحن لا نستحضر الماضي كما كان تمامًا، بل كما بقي في وعينا بعد مرور الزمن. تتراجع كثير من تفاصيل التعب والمشقة، بينما تبقى صور الفرح والدفء والأنس أكثر حضورًا. نتذكر الأصدقاء وننسى كثيرًا من الخلافات، ونستعيد جمال البدايات بينما تخفت في أذهاننا المخاوف التي صاحبتها.
ومن هنا ينشأ جزء كبير من الحنين. فنحن لا نشتاق دائمًا إلى الماضي كما كان، بل إلى الصورة التي استقرت منه في ذاكرتنا. ولهذا قد يختلف شخصان عاشا المرحلة نفسها في تقييمها؛ لأن لكل منهما ذاكرة مختلفة وتجربة مختلفة.
والأمر نفسه ينطبق على الأمم. فالشعوب لا تستحضر تاريخها دائمًا كما وقع، بل كما استقر في وعيها الجمعي. ولهذا تميل المجتمعات إلى تذكر عصور القوة والازدهار والاستقرار، بينما تتراجع في الذاكرة كثير من الصعوبات والأزمات التي كانت جزءًا من تلك المراحل. ومن هنا تنشأ أحيانًا رومانسية الماضي، حين يتحول التاريخ إلى صورة مثالية خالية من العيوب. ومع أن هذا الميل مفهوم إنسانيًا، فإنه لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة أن كل عصر كانت له إنجازاته وإخفاقاته، كما كانت له أحلامه ومشكلاته.
ومع ذلك يبقى في الحنين جانب آخر لا يمكن تجاهله، وهو أن كثيرًا من النعم لا تُعرف قيمتها إلا عند فقدها. فالإنسان يألف ما يملكه حتى يظنه أمرًا طبيعيًا لا يستحق الالتفات، فإذا زال أدرك فجأة مقدار ما كان يتمتع به. وقد أدرك التراث الإسلامي هذه الحقيقة مبكرًا، فجاء في الحديث النبوي الشريف: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». فالمغبون هو الذي يمتلك شيئًا ثمينًا دون أن يدرك قيمته الحقيقية، حتى يفقده أو يفوته الانتفاع به.
وهذه ليست قضية فردية فحسب، بل هي سنة تتكرر في حياة الأمم أيضًا. فكم من شعب عاش عقودًا من الأمن والاستقرار والرخاء دون أن يدرك قيمة ذلك حق الإدراك، ثم عرف قيمته حين تعرض للاضطراب أو الانقسام أو الحروب. وكم من حضارة بلغت ذروة مجدها حتى بدا لأبنائها أن ما يعيشونه أمر دائم لا يزول، ثم لم تمضِ سنوات أو عقود حتى صار ذلك المجد ذكرى تُستعاد بالحسرة.
ولعل الأندلس من أشهر الأمثلة على ذلك. فقد عاشت قرونًا طويلة من الازدهار العلمي والعمراني والثقافي، حتى أصبحت مظاهر التقدم جزءًا من الحياة اليومية المألوفة. وكانت المدن المزدهرة والمكتبات العامرة ومجالس العلم مشاهد اعتيادية لأهلها، كما تبدو النعم دائمًا لمن اعتادها. لكن بعد السقوط لم يبقَ من ذلك العالم إلا الذكريات والآثار والقصائد التي ترثيه. ولم تصبح الأندلس حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي لأنها كانت بلا أخطاء أو مشكلات، بل لأنها تحولت بعد زوالها إلى رمز يذكّر الناس بأن قيمة النعمة لا تظهر كاملة إلا حين تصبح جزءًا من الماضي.
التاريخ مليء بأمثلة مشابهة. فكثير من المجتمعات لم تدرك قيمة ما كانت تعيشه من استقرار أو قوة أو تماسك اجتماعي إلا بعد أن تعرضت تلك النعم للاهتزاز أو الضياع. وعندها فقط تحولت الأيام التي كانت تبدو عادية إلى معيار تُقاس به المراحل اللاحقة.
ولعل الحكمة الحقيقية هنا ليست في البكاء على الماضي، بل في فهم الحاضر. فإذا كان الإنسان يبكي اليوم على مراحل مضت لأنه لم يدرك قيمتها إلا بعد رحيلها، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه على نفسه هو: كيف سننظر إلى أيامنا الحالية بعد عشرين عامًا؟ وما الأشياء التي نعدها اليوم عادية ثم نكتشف لاحقًا أنها كانت من أثمن ما نملك؟ وما النعم التي تمر أمام أعيننا كل يوم دون أن نلتفت إليها؟
هذا السؤال لا يتعلق بالأفراد وحدهم، بل بالمجتمعات كذلك. فالتاريخ يعلمنا أن كل جيل تقريبًا يعتقد أن مشكلاته استثنائية وأن أيامه مليئة بالنواقص، لكنه حين يغادر المشهد ويصبح جزءًا من الذاكرة ينظر إلى تلك المرحلة بطريقة مختلفة. وربما كانت أكبر أخطاء الإنسان أنه لا يرى قيمة الحاضر إلا عندما يتحول إلى ماضٍ.
لذلك فإن أعظم ما يمنحه لنا التأمل في التاريخ وفي تجاربنا الشخصية هو القدرة على اكتشاف قيمة اللحظة الراهنة قبل أن تفلت من بين أيدينا. فبدل أن يكون الماضي مصدر حسرة فقط، يمكن أن يصبح مصدر بصيرة. وبدل أن نكتفي برثاء ما مضى، يمكن أن نتعلم كيف نعيش ما بقي.
ولعل السؤال الذي بدأنا به يبقى مفتوحًا: لماذا نبكي على ما كنا نبكي منه؟
لأن الإنسان لا يرى النعمة كاملة وهو داخلها، ولا يرى الزمن بوضوح إلا بعد أن يبتعد عنه. وبين نزعة النفس إلى التطلع لما ينقصها، وانتقائية الذاكرة، واعتياد النعم، تضيع أشياء كثيرة لا نكتشف قيمتها إلا بعد رحيلها.
ولهذا لم يكن الشاعر يصف يومًا واحدًا حين قال:
رُبَّ يومٍ بكيتُ منه فلمّا … صِرتُ في غيرِه بكيتُ عليهِ
بل كان يصف قصة الإنسان مع العمر كله، وقصة الأمم مع تاريخها، وقصة النعم التي لا ندرك قيمتها كاملة إلا حين تصبح جزءًا من الذاكرة.
كاتب رأي