استطلاع لذاتي

استطلاع لذاتي
إن الذات ليست مجرد جسد يتحرك في الحياة، ولا روح تعبر الأيام كيفما شاءت، بل هي ذلك العالم الخفي الذي أودع الله فيه المشاعر والعقل والضمير والفطرة. وقد أولى الله النفس عناية عظيمة، فخاطبها في كتابه الكريم، ووجّهها، وحذّرها، وزكّاها، وجعل صلاح مرتبط نبها،
فالإنسان ليس مطالبًا فقط أن يعمّر الأرض بعمله، بل أن يعمّر ذاته أيضًا بإصلاحها وتهذيبها ومحاسبتها. ومن هنا كانت مراجعة النفس ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة إنسانية وإيمانية، لأن أعظم رحلة قد يخوضها الإنسان ليست إلى الأماكن البعيدة، بل إلى أعماق ذاته
ونحن في حياتنا وفي ممارساتنا ننفذ الدراسات الاستطلاعية باستمرار؛ ففي المؤسسات والمراكز البحثية والمشروعات المختلفة تُطرح الأسئلة، وتُوزع الاستبيانات، ويُطلب من الناس إبداء آرائهم حول فكرة أو منتج أو تجربة أو قضية معينة، ثم تُجمع البيانات، وتُحلل المؤشرات، وتُقرأ النتائج للوصول إلى فهم أعمق يساعد على التطوير وتصحيح المسار.
لكن سؤالًا يفرض نفسه:
لماذا اعتدنا أن نستطلع آراء الآخرين، ولا نستطلع ذواتنا؟ لماذا لا نحاور ذواتنا، ونفهم منها توجهها ؟
لماذا نبحث في أفكار الناس ومشاعرهم واتجاهاتهم، بينما نغفل عن ذلك العالم القريب جدًا منا، العالم الذي يسكن داخلنا؟
إن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة يراقب الآخرين، يقيّم تصرفاتهم، ويحلل مواقفهم، ويبحث عن أخطائهم ونقاط قوتهم، لكنه قد ينسى أن يجلس مع ذاته جلسة هادئة صادقة، بعيدًا عن ضجيج الحياة وتزاحم الأيام.
فلماذا لا نجري بين الحين والآخر دراسة استطلاعية خاصة مع أنفسنا؟
دراسة لا تحتاج إلى نماذج إلكترونية، ولا إلى رسوم بيانية وجداول إحصائية، بل تحتاج إلى الصدق والشجاعة؛ لأن أصعب الأسئلة ليست تلك التي نطرحها على الآخرين، بل تلك التي نوجهها إلى أنفسنا.
وحين تبدأ هذه الدراسة، ربما تكون أسئلتها مختلفة:
يا أيتها الذات التي في جسدي المكرّم من الله…
هل ظلمتِ أحدًا بقول أو فعل؟
هل آذيتِ قلبًا دون أن تشعري؟
هل تسببتِ في ألم إنسان أو كسرتِ خاطرًا؟
هل حملتِ في داخلك شيئًا من الكبر وأنتِ لا تدركين؟
هل تواضعتِ حين كان بإمكانك التعالي؟
هل وصلتِ رحمًا انقطعت أخباره؟
هل صنعتِ معروفًا دون انتظار شكر أو مقابل؟
هل جبرتِ خاطرًا منكسرًا؟
هل كنتِ سببًا في ابتسامة إنسان؟
هل سامحتِ من أخطأ؟
هل تركتِ أثرًا طيبًا في حياة من حولك؟
وهل كنتِ يومًا سببًا في أذى أو حزن بقي أثره في قلب أحد؟
إنها أسئلة لا تُجاب بالمجاملة، ولا تُكتب لها إجابات مزيفة، لأن النفس تعلم حقيقتها مهما حاولت أن تتخفى خلف الصور الجميلة والكلمات المنمقة.
إن أعظم الدراسات ليست تلك التي تنشر في التقارير والأبحاث، بل تلك التي تُجرى في أعماق الإنسان فتقوده إلى مراجعة ذاته وإصلاح ما استطاع إصلاحه. فالإنسان قد ينجح في إقناع الناس جميعًا بأنه إنسان صالح، لكنه لا يستطيع أن يخدع نفسه طويلًا إذا وقف معها بصدق.
لقد علّمتنا الحياة أن الأرواح تحتاج إلى مراجعة مستمرة، كما تحتاج الأرض إلى المطر، وتحتاج الأشجار إلى العناية؛ فالنفوس إن تُركت بلا مراجعة تراكم عليها غبار الأيام، وربما أثقلتها الأخطاء الصغيرة حتى تصبح كبيرة.
لذلك ربما نحن بحاجة إلى أن نخصص وقتًا بين حين وآخر لإجراء “استطلاع لذواتنا”، نسأل فيه أنفسنا بصدق، لا لنجلدها أو نرهقها، بل لنصحح الطريق، ونستعيد إنسانيتنا، ونتذكر أننا خُلقنا لنكون مصدر خير ورحمة وأثر جميل.
وفي نهاية كل استطلاع مع الذات، قد يبقى السؤال الأهم:
هل مارستُ إنسانيتي كما أرادها الله مني؟
د.عبدالرحمن الوعلان



