كُتاب الرأي

الخطر الناعم

الخطر الناعم

ظهر مؤخرًا خطرٌ من نوع آخر؛ خطرٌ غير محسوب، لا يأتي في صورة مواجهة مباشرة أو تهديد واضح، بل يتسلل بهدوء عبر الشاشات، ويتشكل في الوعي على هيئة أفكار عابرة، ثم يتحول مع الوقت إلى قناعات وسلوكيات يصعب الانتباه لبدايتها. وهنا تكمن خطورته: في بطء أثره، وعمق جذره، واتساع نطاقه، حتى يصبح جزءًا من التفكير اليومي دون أن يشعر الإنسان متى بدأ أو كيف تغيّر.
لم يعد من المعتاد أن تتجه الحكومات إلى تقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو فرض قيود عمرية صارمة على الوصول إليها، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا لافتًا في نظرة الدول إلى هذه المنصات. فقد أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر توجهًا نحو الحد من وصول الأطفال دون السادسة عشرة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، فيما سبقت الصين كثيرًا من دول العالم إلى فرض قيود وتنظيمات مشددة على استخدام الأطفال والشباب للتطبيقات الرقمية. كما بدأت الأردن عربيًا في إظهار اهتمام متزايد بتنظيم هذا الملف والتعامل معه بجدية أكبر.
هذه التحولات لا تعني أن العالم أصبح ضد التقنية، بل تعني أن العالم بدأ يدرك حجم التأثير الذي تمارسه المنصات الرقمية على الأجيال الجديدة، وأن القضية لم تعد مرتبطة بالترفيه أو التواصل فقط، بل أصبحت تمس الأمن الفكري والثقافي والاجتماعي للمجتمعات.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في الهاتف أو التطبيق بحد ذاته، وإنما في المحتوى الذي يتدفق عبره بلا حدود، وفي السرديات التي تُبث بصورة متكررة حتى تتحول إلى قناعات واتجاهات وسلوكيات. لقد أصبحت بعض المنصات أدوات قادرة على التأثير في الرأي العام وإعادة تشكيل المفاهيم والقيم والعادات، خصوصًا لدى الأطفال والشباب الذين يقضون ساعات طويلة في فضاءات رقمية مفتوحة تتجاوز في تأثيرها أحيانًا تأثير الأسرة والمدرسة.
وتزداد الخطورة عندما تُطرح القضايا المرتبطة بالمعتقدات والقيم والعادات والأنظمة الاجتماعية في صورة نقاشات وتحليلات جذابة تستهدف إثارة الجدل وجذب التفاعل. فخوارزميات هذه المنصات لا تكافئ المحتوى المتزن بقدر ما تكافئ المحتوى المثير للانقسام والصدام، لأن الجدل يحقق انتشارًا أكبر ويجلب مزيدًا من التفاعل.
ومع التكرار المستمر تصبح بعض الأفكار الغريبة مألوفة، وتتحول بعض القضايا الهامشية إلى موضوعات رئيسة، ويجد المتلقي نفسه أمام سيل من الرسائل التي تدفعه إلى إعادة النظر في كثير من الثوابت والمسلمات التي تشكل هوية مجتمعه. وهنا لا يكون التأثير في الرأي فحسب، بل يمتد إلى البنية القيمية والثقافية للمجتمع بأكمله.
إن المجتمعات لا تُستهدف اليوم بالسلاح وحده، بل تُستهدف كذلك عبر الأفكار والرسائل والسرديات التي تعمل على إضعاف الانتماء، وزعزعة الثقة بالثوابت، وإثارة الشكوك حول المرجعيات الثقافية والاجتماعية. ولذلك فإن التعامل مع هذا الملف لم يعد مسؤولية الأسرة وحدها، بل أصبح مسؤولية وطنية تتطلب تشريعات واضحة وسياسات صارمة وبرامج توعوية مستمرة تحمي الأجيال الناشئة من هذا التأثير المتدرج.
وإذا كانت بريطانيا والصين والأردن وغيرها من الدول قد بدأت تدرك حجم هذا التحدي وتسعى إلى مواجهته بإجراءات عملية، فإن الرسالة الأهم هي أن الوعي بالخطر يجب أن يسبق وقوعه. فالأعداء من حولنا كثر، وهم يدركون أن التأثير في العقول أعمق أثرًا من المواجهة المباشرة، وأن تفكيك المجتمعات يبدأ غالبًا من إضعاف قيمها وتشتيت وعي أبنائها.
ومن هنا فإن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من دائرة التحذير إلى دائرة التنظيم الفعلي، بحيث لا تبقى المسألة في حدود النقاش، بل تتحول إلى أنظمة واضحة تحدد الاستخدام، وتفرض مسؤوليات على الشركات الرقمية، وتدعم المحتوى الهادف، وتبني وعيًا رقميًا منذ المراحل المبكرة.
كما أن الأسرة لم تعد وحدها خط الدفاع الأول، بل أصبحت جزءًا من منظومة متكاملة تشمل المدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية، بهدف بناء حصانة فكرية قادرة على التمييز بين ما يبني الإنسان وما يستهدف وعيه. فالمعركة اليوم ليست مع التقنية ذاتها، بل مع طريقة استخدامها وتوجيهها.
وفي نهاية المطاف، فإن الأمم التي تتأخر في إدراك طبيعة هذا التحول تدفع ثمنًا مضاعفًا لاحقًا، بينما الأمم التي تبادر إلى التنظيم والوعي والتشريع هي الأقدر على حماية استقرارها وهويتها، وصناعة مستقبل أكثر توازنًا وأمانًا لأجيالها القادمة.
إن السرديات الممنهجة تستهدف الأجيال لضرب المجتمعات، وإن لم هناك وعي كافٍ سنقع في وحل تصحيح المفاهيم والأفكار الوافدة خلال المحتوى الرقمي، فكونوا أكثر وعيا …

د. عبدالرحمن الوعلان

 

الدكتور عبدالرحمن الوعلان

كاتب رأي ومسرح ومعد برامج ومشرف في ظلال المشهد المسرحي وخبر عاجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.