في ظلال المسرح

مسرحٌ يتكلّم… وإعلامٌ صامت!

مسرحٌ يتكلّم… وإعلامٌ صامت!

في كل مرة يُرفع فيها الستار، لا يبدأ عرضٌ مسرحي فحسب، بل تبدأ رحلة فكر، وحكاية إنسان، ورسالة ثقافية تُروى بلغة الفن. يقف الممثل على الخشبة حاملاً هموم المجتمع وأحلامه، ويجتهد المخرج في صناعة صورة بصرية تلامس الوجدان، ويصوغ الكاتب نصًا يفتح أبواب الحوار والتأمل. فالمسرح يتكلّم… بل يتحدث بصوت المجتمع نفسه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: من يسمع هذا الصوت؟
لقد أصبح المسرح يتحدث، بينما يقابله إعلام يكتفي بالصمت. تُقدَّم عروض مسرحية، وتُبذل جهود كبيرة، وتُكتشف مواهب جديدة، ثم تنتهي الليلة بإسدال الستار، وكأن شيئًا لم يكن. تمر الأعمال دون أن تجد مساحة تليق بها في القنوات الفضائية، أو البرامج الثقافية، أو النشرات الإخبارية، أو حتى الحوارات التي تعرّف الجمهور بما يدور على خشبة المسرح.
ولابد أن نكون موضوعيين ومنصفين في قراءة المشه، فقد قدمت هيئة المسرح والفنون الأدائية برامج نوعية، وأطلقت مبادرات ومسابقات، ودعمت الإنتاج المسرحي، واحتضنت المواهب، وأسهمت في تنشيط الحركة المسرحية السعودية بصورة لافتة. كما نشهد اليوم عروضًا متنوعة، ومهرجانات، وورشًا تدريبية، وتجارب تستحق أن تُحتفى بها. وهذا جهد وطني وثقافي يستحق كل التقدير.
لكن بعد كل هذا الحراك، يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: أين الإعلام؟
أين القنوات الفضائية التي يفترض أن تكون شريكًا في صناعة الوعي الثقافي؟ أين البرامج التي تواكب العروض المسرحية، وتحاور مخرجيها وممثليها، وتناقش رسائلها؟ أين التقارير التلفزيونية التي تنقل للمشاهد صورة هذا الحراك؟ وأين الشراكات بين المؤسسات الإعلامية والقطاع المسرحي؟
من الصعب أن نقبل أن يكون لدينا هذا الزخم من الإنتاج المسرحي، ثم لا يجد طريقه إلى الشاشة. فليس من المنطق أن تستثمر الدولة في دعم المسرح، ويبدع الفنانون، وتُقدَّم العروض، ثم يبقى كل ذلك محصورًا داخل جدران المسارح. فالإنتاج موجود، والإبداع حاضر، والحراك يتسع عامًا بعد عام، لكن الحلقة التي ما زالت بحاجة إلى اكتمال هي الإعلام.
إن الإعلام ليس مجرد كاميرا تنقل حدثًا، ولا خبرًا يُنشر في اليوم التالي، بل هو شريك في صناعة الأثر الثقافي. هو الذي يبني الجمهور، ويصنع الذاكرة، ويوثق المنجز، ويمنح العمل المسرحي حياة تتجاوز زمن العرض. فالعمل الذي يشاهده مئات داخل المسرح، يمكن أن يصل إلى مئات الآلاف عندما يتبناه إعلام مهني يؤمن برسالته.
وليس المطلوب أن تتحول القنوات إلى منصات للبث المسرحي فقط، وإنما أن يصبح المسرح جزءًا طبيعيًا من المشهد الإعلامي؛ من خلال برامج متخصصة، وتغطيات مستمرة، ونوافذ للنقد، واستضافة المسرحيين، وتسليط الضوء على التجارب الناجحة، ونقل العروض المتميزة، وإنتاج محتوى إعلامي يعرّف المجتمع بما يُنجز على خشبات المسرح في مختلف مناطق المملكة.
إن الإعلام والثقافة لا يسيران في طريقين متوازيين، بل يكمل أحدهما الآخر، فكل نهضة مسرحية في العالم كان خلفها إعلام آمن بقيمة المسرح، وقدّمه للناس بوصفه فنًا يصنع الوعي ويثري الحياة.
ولعل اللافت أن هذه القضية لم تعد مجرد تساؤل فردي، بل أصبحت محورًا للنقاش بين المهتمين بالشأن المسرحي. فقد ناقش نادي مسرحيون للفكر الثقافي، في إحدى جلساته، قضية غياب العروض المسرحية عن الشاشة، بمشاركة نخبة من المهتمين بالمسرح والثقافة والإعلام. وتناول النقاش أهمية بناء شراكات فاعلة بين المؤسسات الإعلامية والقطاع المسرحي، بما يضمن حضورًا إعلاميًا يواكب الحراك المسرحي المتنامي، ويُعرّف المجتمع بالعروض ومنجزاتها، ويجعل المسرح أكثر قربًا من الجمهور.
ولقد اتفق المشاركون على أن المسرح السعودي يعيش مرحلة واعدة من حيث الإنتاج والتطوير، إلا أن هذا المنجز يحتاج إلى ظهير إعلامي يوازيه في الحضور والتأثير. فنجاح أي حركة ثقافية لا يقاس بما يُقدَّم على الخشبة فحسب، بل أيضًا بقدرتها على الوصول إلى الناس، وصناعة جمهور يؤمن بقيمة الفن ودوره في بناء الوعي
اليوم، ونحن نشهد مرحلة مزدهرة للمسرح السعودي، فإننا بحاجة إلى أن ينتقل هذا الحراك من خشبة المسرح إلى شاشة التلفزيون، ومن قاعات العرض إلى بيوت الناس. فالمسرح لا يحتاج إلى التصفيق وحده، بل يحتاج إلى من يروي قصته، ويعرّف بمنجزه، ويجعل المجتمع شريكًا في رحلته.
فالمسرح ما زال يتكلّم… لكن الإعلام لا ينبغي أن يبقى صامتًا. وعندما يتحدث المسرح، فإن أقل ما يمكن أن يفعله الإعلام هو أن ينقل صوته، لأن نهضة المسرح ليست مسؤولية المسرحيين وحدهم، بل هي مسؤولية كل من يؤمن بأن الثقافة ركيزة من ركائز بناء الإنسان، وأن الإعلام هو الجسر الذي يصل الإبداع بالمجتمع.

بقلم د. عبدالرحمن الوعلان

 

 

الدكتور عبدالرحمن الوعلان

كاتب رأي ومسرح ومعد برامج ومشرف في ظلال المشهد المسرحي وخبر عاجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.