مجالسنا مسارح واقعية …

مجالسنا مسارح واقعية …
اعتدنا أن نربط المسرح بخشبة مرتفعة، وستارة تُفتح إيذانًا ببدء الحكاية، وأضواء تسقط على ممثلين يؤدون أدوارهم أمام جمهور يراقب ويتفاعل. غير أن الحياة أكثر اتساعًا من أن تُحصر في مكان محدد، وأكثر قدرة على صناعة مشاهدها من أن تنتظر نصًا مكتوبًا أو مخرجًا يقود تفاصيلها. فهناك مسرح آخر يولد كل يوم دون إعلان، ويبدأ عرضه دون تذاكر، ويستمر دون موعد محدد؛ إنه المسرح الذي يتشكل في مجالسنا العائلية.
في المجالس العائلية لا تبدأ الحكاية برنين الجرس معلنًا بداية العرض، بل تبدأ بخطوات القادمين، وبالسلام الأول، وبابتسامة الاستقبال التي تفتح أبواب الود قبل أبواب المكان. شيئًا فشيئًا تتشكل ملامح المشهد؛ المقاعد تأخذ مواقعها وكأنها جزء من سينوغرافيا المكان، وأكواب القهوة والشاي تتحرك بين الأيدي كأنها أدوات مسرحية تؤدي أدوارًا تتجاوز وظيفتها المعتادة، فيما تبدأ الشخصيات بالدخول إلى فضاء الحدث.
يدخل الكبير حاملًا معه سنواته وتجربته وهدوءه، فيأخذ موقعه الطبيعي داخل المشهد، لا لأنه اختار ذلك بل لأن الحياة منحته مكانته. ويدخل الشاب محملًا بحكايات يومه وطموحاته وأفكاره، بينما يسبق الأطفال الجميع إلى صناعة الحركة والفوضى الجميلة، فيكسرون رتابة المشهد ويضيفون إليه روحًا لا يستطيع أحد صناعتها.
ثم تبدأ الحوارات بالتشكل. هنا قصة قديمة تُستعاد وكأنها تُروى لأول مرة، وهناك نقاش حول حدث جديد، وفي زاوية أخرى ضحكات ترتفع حتى تكاد تملأ المكان، ثم يهبط الإيقاع فجأة عندما ينتقل الحديث إلى ذكرى عزيزة أو موقف مؤثر. وبعد لحظات يعود المشهد إلى حيويته، وكأن العرض انتقل من فصل إلى آخر دون أن يشعر أحد بذلك.
إن ما يحدث داخل هذه المجالس ليس مجرد حديث عابر بين أفراد يجمعهم المكان؛ بل هو بناء درامي متكامل تتوافر فيه عناصر المسرح كلها. هناك شخصيات متعددة تختلف في طبائعها وأعمارها وأدوارها، وهناك حدث يتشكل باستمرار، وحوار يتنامى، وحركة لا تتوقف، وانفعالات تتغير بين الضحك والصمت والتأمل والتعجب. حتى الصمت نفسه يصبح جزءًا من النص غير المكتوب؛ فبعض المشاعر تُقال بالكلمات، وبعضها تقوله نظرة، أو تنهيدة، أو ابتسامة عابرة.
ولعل ما يميز هذا المسرح عن غيره أنه لا يعرف التمثيل بمعناه التقليدي؛ فلا أحد يرتدي شخصية ليست له، ولا أحد يحفظ نصًا مكتوبًا مسبقًا. الجميع يؤدي ذاته كما هي، بعفويتها ونقصها وصدقها. ولذلك تبدو هذه العروض أكثر قدرة على ملامسة الإنسان، لأنها تخرج من الحياة وتعود إليها مباشرة.
ومن زاوية أعمق، يمكن النظر إلى المجالس العائلية بوصفها مؤسسة اجتماعية وثقافية وتربوية تمارس دورها بطريقة هادئة وغير مباشرة. ففي هذه المجالس تنتقل الخبرات بين الأجيال، ويستمع الصغار إلى تجارب الكبار، وتُحفظ القصص العائلية من النسيان، وتُروى الحكايات التي تشكل جزءًا من هوية الأسرة وذاكرتها.
كما أنها تؤدي دورًا إنسانيًا عظيمًا في زمن أصبحت فيه العلاقات مهددة بالمسافات الرقمية. فالتقنيات الحديثة قربت الأصوات والصور، لكنها لم تستطع أن تصنع دفء الحضور الحقيقي. لم تستطع أن تنقل تلك التفاصيل الصغيرة التي يصنعها اللقاء؛ نبرة صوت حانية، أو ضحكة جماعية، أو يد تمتد لتصافح أخرى، أو نظرة تحمل اهتمامًا صادقًا. فهناك أشياء لا تنقلها الشاشات مهما بلغت دقتها، لأن القلوب لا تُبث عبر الشبكات.
وفي هذه المجالس يتعلم الإنسان دون أن يشعر؛ يتعلم الإنصات، واحترام الآخر، وآداب الحديث، وقيمة الاختلاف، ومعنى الانتماء. إنها مدرسة اجتماعية مفتوحة، ومسرح تربوي يقدم دروسه بصمت، ويغرس قيمه دون أوامر مباشرة.
ولعل أجمل ما في المجالس العائلية أنها لا تنتهي بانتهاء اللقاء؛ فكل مجلس يترك أثرًا، وكل حديث يخلّف ذكرى، وكل ضحكة تصبح جزءًا من ذاكرة الأيام. لذلك فإنها ليست مجرد أماكن نجلس فيها، بل مساحات نصنع فيها أنفسنا وعلاقاتنا وحكاياتنا.
إن مجالسنا ليست أماكن للاجتماع فحسب، بل خشبات حياة تتكرر عليها أجمل المشاهد الإنسانية. وفي كل مرة نجتمع فيها، يبدأ عرض جديد دون إعلان، وتُكتب قصة جديدة دون قلم، ويولد مشهد آخر من ذلك المسرح الإنساني العظيم الذي لا تُسدل ستارته أبدًا.
د.عبدالرحمن الوعلان



