منى… شاهدة لأهل المدينة

منى… شاهدة لأهل المدينة
ليست منى مجرد مشعر من مشاعر الحج، ولا واديًا تمتلئ طرقاته بالحجيج كل عام فحسب، بل هي أرض تختزن واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في التاريخ الإسلامي؛ اللحظة التي التقت فيها الرسالة بالمدينة، والتقت فيها القلوب الباحثة عن النور بالنبي ﷺ.
في تلك السنوات الأولى من الدعوة، كانت مكة تضيق بالمؤمنين، ويشتد أذى قريش على النبي ﷺ وأصحابه، بينما كانت يثرب تعيش اضطرابًا طويلًا بين الأوس والخزرج، حتى بدا المجتمع هناك وكأنه يبحث عن يد تنتشله من دوائر الحرب والانقسام. وفي موسم الحج، جاءت وفود يثرب إلى مكة كما تأتي القبائل كل عام، لكن القدر كان يخبئ لهم لقاءً سيغيّر مصيرهم ومصير الأمة كلها.
في منى بدأت الحكاية، وأهلُ المدينة بايعوا الرسولَ ﷺ في منى…
في تلك الليالي الهادئة عند العقبة، بعيدًا عن أعين قريش، تسللت الوفود الصغيرة نحو النبي ﷺ. لم يكن المشهد استعراضًا قبليًا ولا تجمعًا سياسيًا، بل كان لقاء إيمان خالص، اجتمعت فيه القلوب قبل الأيدي.
بايع أهل المدينة رسولهم ﷺ في منى… ليقينهم بأنه النصر لهم
فحين مدّ الأنصار أيديهم إلى يد النبي ﷺ، معلنين عهد النصرة والطاعة والحماية، ومتعهّدين أن يدافعوا عنه كما يدافعون عن أبنائهم وأهليهم. كانت لحظة صامتة في ظاهرها، لكنها كانت تهزّ التاريخ كله في باطنها.
ومنذ تلك البيعة تغير كل شيء. لم تعد الدعوة محاصرة في مكة، بل أصبح لها وطن ينتظرها، ومدينة تفتح أبوابها للإيمان. ومنى التي اعتاد الناس أن يذكروها بوصفها موضعًا للرمي والنسك، أصبحت أيضًا شاهدة على ميلاد الدولة الإسلامية الأولى.
نعم بايع أهلُ المدينة الرسولَ ﷺ في منى… ثم عادوا إلى يثرب يحملون الإسلام في قلوبهم، ينشرونه في البيوت والمجالس والأسواق، حتى تحولت المدينة إلى مجتمع جديد يستعد لاستقبال النبي ﷺ والمهاجرين.
وحين وقعت الهجرة، ظهر معدن الأنصار الحقيقي. فتحوا بيوتهم للمهاجرين، وتقاسموا معهم الطعام والعمل والحياة، وصنعوا صورة نادرة للأخوة الإنسانية. لم يكونوا مجرد أنصار في الحروب، بل كانوا شركاء في بناء الحضارة الإسلامية منذ لحظتها الأولى.
في منى بايع أهل المدينة الرسولَ ﷺ، ثم وقفوا في بدر وأحد والخندق، يحمون النبي ﷺ بأرواحهم، ويثبتون أن كلمات العقبة لم تكن وعدًا عابرًا، بل عهدًا راسخًا لا يتغير.
ومن المدينة انطلقت رسالة الإسلام إلى العالم؛ منها خرج القراء والمعلمون والوفود، وفيها تأسست أول دولة إسلامية، ومنها بدأت حضارة جديدة غيّرت وجه التاريخ.
لهذا تبقى منى أكثر من مشعر للحج. إنها المكان الذي شهد المصافحة الأولى بين الرسالة والمدينة، والمكان الذي بدأت فيه رحلة الأنصار مع الإسلام، تلك الرحلة التي صنعت واحدة من أعظم صفحات الوفاء في التاريخ الإسلامي.
ليكتب التاريخ بأن أهلُ المدينة بايعوا الرسولَ ﷺ في منى…
لتضيء البيعة طريق أمة كاملة
بقلم د. عبدالرحمن الوعلان



