في ظلال المسرح

المونودراما في مسارحنا…

المونودراما في مسارحنا…

كلما ضاقت مساحة المسرح، اتسعت مساحة الإنسان, وهذه هي الفلسفة التي قامت عليها المونودراما؛ فهي ليست اختزالًا للمسرح، وإنما تكثيفٌ له، وليست تقليلًا للشخصيات، بل تعميقًا للشخصية الواحدة حتى تصبح مرآةً لمجتمع كامل, ولهذا ظلت المونودراما واحدةً من أكثر الأشكال المسرحية قدرةً على كشف الإنسان وهو مجرد من الأقنعة، يواجه ذاته قبل أن يواجه جمهوره.
غير أن المونودراما في مسارحنا العربية، وفي كثير من التجارب المحلية، لم تُقرأ دائمًا بهذا الفهم, فقد تحولت في أحيان كثيرة من خيارٍ جمالي إلى خيارٍ إنتاجي، ومن رؤيةٍ فنية إلى وسيلة لتجاوز محدودية الإمكانات, حتى أصبح الممثل الواحد يحل محل الفرقة، وأصبح النص القصير بديلًا عن البناء الدرامي المتكامل، وكأن المونودراما مجرد اقتصاد في العناصر، بينما حقيقتها أنها أكثر الفنون المسرحية تكلفةً من حيث الفكر والمهارة.
إن الوقوف منفردًا على خشبة المسرح ليس بطولة، بل امتحان قاسٍ، لا يجيده إلا ممثل خبير، فالممثل في المونودراما لا يحمل الشخصية فقط، بل يحمل الزمن والإيقاع والحدث والصراع، ويخلق الشخصيات الغائبة بصوته وإيماءته وصمته، ولذلك فإن أي ضعف في النص، أو ارتباك في الإخراج، أو محدودية في الأداء، يظهر مضاعفًا، لأنه لا يوجد ممثل آخر يساند المشهد أو يوزع الطاقة الدرامية.
ومن هنا تبدأ الإشكالية في مسارحنا؛ إذ إن كثيرًا من عروض المونودراما تُبنى على التدفق الكلامي أكثر من الفعل المسرحي، فالممثل يتحدث طويلًا، والجمهور يستمع طويلًا، لكن المسرح لا يتحرك، تتحول الخشبة إلى منصة خطابية، ويغيب الحدث الدرامي، وتختفي الصورة البصرية، ويحل السرد محل الفعل، ومع مرور الوقت يفقد العرض توتره، لأن المسرح في جوهره ليس ما يُقال، وإنما ما يحدث.
وفي المقابل، هناك ظاهرة أخرى لا تقل حضورًا، وهي الاعتقاد بأن المونودراما فنٌّ يمكن لأي ممثل أن يخوضه منفردًا، بينما التجارب العالمية تؤكد أن المونودراما لا تصنع الممثل، بل يصنعها الممثل الذي بلغ مرحلةً متقدمة من النضج الفني، فهي ليست نقطة البداية، وإنما غالبًا تكون ذروة التجربة.

كما أن بعض الكتّاب يقعون في فخ الاعترافات الطويلة، فيكتبون نصوصًا تعتمد على البوح النفسي وحده، حتى تكاد جميع شخصيات المونودراما تبدو متشابهة؛ شخصٌ مهزوم، يستعيد ذكرياته، ويشكو المجتمع، ثم يغادر دون أن يترك أثرًا دراميًا حقيقيًا، إن المونودراما ليست علاجًا نفسيًا فوق الخشبة، بل بناءٌ درامي له تصاعده وتحولاته وانفجاراته.
ولا يقتصر الأمر على النصوص، بل يمتد إلى الإخراج أيضًا، فكثير من العروض تظن أن الفراغ هو السمة الأساسية للمونودراما، فتُترك الخشبة شبه خالية، ويصبح الضوء مجرد وسيلة للرؤية، والصوت مجرد مؤثر، بينما تستطيع المونودراما أن تنتج عوالم بصرية مدهشة، إذا أدرك المخرج أن الشخصية الواحدة يمكن أن تتحاور مع الضوء، والظل، والفراغ، والموسيقى، والسينوغرافيا، كما تتحاور مع الإنسان.
وفي المسرح السعودي على وجه الخصوص، تبدو المونودراما أمام فرصة تاريخية، فالحراك الثقافي المتسارع، وتنامي المهرجانات، وازدياد عدد الممثلين الشباب، كلها عوامل تجعل هذا الفن قادرًا على إنتاج تجارب رفيعة المستوى. لكن هذه الفرصة قد تضيع إذا بقيت المونودراما تُستخدم بوصفها الطريق الأسهل للمشاركة في المهرجانات، لا بوصفها مشروعًا مسرحيًا متكاملًا.
إن ما تحتاجه مسارحنا اليوم ليس المزيد من عروض المونودراما، بل المزيد من النصوص التي كُتبت أصلًا لتكون مونودرامية، لا نصوصًا جماعية حُذفت شخصياتها، كما نحتاج إلى ممثلين يتقنون فن الاقتصاد في الأداء، وإلى مخرجين يؤمنون بأن الخشبة لا تمتلئ بعدد الأشخاص، وإنما بطاقة الصورة المسرحية.
لقد أثبت المسرح عبر تاريخه أن ممثلًا واحدًا قادر على أن يهزم فرقةً كاملة إذا امتلك الحضور والصدق والخيال، لكنه أثبت أيضًا أن ممثلًا واحدًا قد يجعل المسرح أكثر وحدةً وفراغًا إذا غاب النص وغابت الرؤية.
إن مستقبل المونودراما في مسارحنا لن يُقاس بعدد العروض التي تُنتج، بل بعدد العروض التي تُضيف إلى الفن لغةً جديدة، وتكشف للإنسان شيئًا لم يكن يعرفه عن نفسه. فالمونودراما ليست مسرحًا لشخص واحد، بل مسرحٌ تتحدث فيه الإنسانية كلها بصوت إنسان واحد.

د. عبدالرحمن الوعلان

 

 

الدكتور عبدالرحمن الوعلان

كاتب رأي ومسرح ومعد برامج ومشرف في ظلال المشهد المسرحي وخبر عاجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.