كُتاب الرأي

✍️ جدة.. والأمين الجديد وتحديات المدينة المتجددة

✍️ جدة.. والأمين الجديد وتحديات المدينة المتجددة

بقلم/ د.عبدالإله محمد جدع

✔️جدة مدينة غير عادية على خارطة الوطن.. فهي بوابة الحرمين وواجهة المملكة البحرية وملتقى الحضارات والتجارة والشعوب منذ القدم، وقد حملت خصوصيتها الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية كما اكتسبت مكانتها التاريخية والدينية بوصفها “دهليز الحرم” وممر القادمين إلى مكة المكرمة، فصارت مدينة لها روحها وذاكرتها وطابعها الذي لا يشبه غيرها..ولهذا، فإن الاهتمام بجدة ومشاريعها لا ينبغي أن يكون موسميا أو مرتبطًا بمناسبة مؤقتة، لكنه عمل مستمر يليق بمدينة بهذا الثقل وبهذا الحضور الوطني والديني والاقتصادي.
✔️ ومع تولي معالي الأمين إحسان بافقيه مسؤولية هذه المدينة، تتجدد الآمال في مرحلة توازن بين صيانة التاريخ وتحديث الحاضر فضلا عن صناعة مستقبل حضري ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في جودة الحياة وأنسنة المدن، وتمكين الشباب، وتحسين المشهد الحضري..ولا يمكن في هذا السياق أن يُبخس جهد الأمين السابق الاستاذ صالح التركي، فقد شهدت جدة خلال المرحلة الماضية خطوات واضحة في تحسين الواجهات البحرية وفتح متنفسات جديدة والعناية بالشواطئ، ومواجهة ملف العشوائيات -وهو ملف شائك تتداخل فيه الجوانب الاجتماعية والعمرانية والتنموية- غير أن الإنصاف يقتضي أيضًا القول إن معالجة العشوائيات لا تكتمل بالهدم وحده وإنما تحتاج إلى رؤية تطويرية معلنة وبدائل حضرية تحفظ كرامة الإنسان، وتعيد تشكيل المكان بما يليق بالمدينة وسكانها.
✔️ ونقول للأمين : إن جدة مدينة فرص كبرى، لكنها في الوقت نفسه مدينة تحديات ثقيلة..وفي مقدمتها ملف تصريف مياه الأمطار، الذي ظل هاجسا حاضرا لدى السكان مع كل موسم مطر ،فلم يعد مقبولًا أن تبقى مدينة بحجم جدة تحت قلق الماء كلما هطلت الأمطار أو أن تظل الحلول جزئية ومؤقتة بدل معالجة جذرية مستدامة.
ثم يأتي ملف الصرف الصحي، بوصفه أحد أساسيات جودة الحياة، فلا يمكن لمدينة كبرى أن تواكب طموحها بينما بعض أحيائها لا تزال تعاني من بنية تحتية غير مكتملة أو خدمات لا تتناسب مع الكثافة السكانية والعمرانية..كما أن من التحديات اليومية التي يلمسها المواطن والمقيم تفاقم الحفريات في الشوارع والأحياء والأزقة.. حفريات تبدأ ولا تنتهي، ومشروعات تتداخل أحيانا بلا تنسيق كاف فيدفع الناس ثمن ذلك من أوقاتهم ومركباتهم وأعصابهم..و المطلوب ليس إيقاف التطوير، إنما تنظيمه وجدولته، وإلزام الجهات المنفذة بمعايير واضحة في الإنجاز وإعادة السفلتة وردم المواقع كما كانت أو أفضل..كما أن تباين مستوى سفلتة الشوارع بين منطقة وأخرى يطرح سؤال العدالة البلدية داخل المدينة الواحدة. فليس من المقبول أن تحظى أحياء بجودة عالية في الطرق والإنارة والنظافة، بينما تبقى أحياء أخرى في انتظار نصيبها من الاهتمام فجدة كلها تستحق مستوى واحدا من العناية، من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها.
✔️أما النظافة العامة وتزايد النفايات، فهما عنوان مباشر لصورة المدينة وهيبتها1.. وجدة، بما تمثله من واجهة سياحية وتجارية ودينية، تحتاج إلى منظومة نظافة أكثر ذكاء وصرامة، لا تقوم فقط على رفع المخلفات، ولكن على منع تراكمها، ومراقبة المقاولين، وتفعيل الوعي المجتمعي، ومحاسبة المقصرين..كما لا يمكن تجاوز ملف الازدحام وفك الاختناقات المرورية.. فجدة مدينة متحركة طوال العام، وحركتها لا ترتبط بموسم واحد فهي تتأثر بالحج والعمرة والسياحة والعمل والمدارس والفعاليات..ومن هنا فإن التنسيق بين الأمانة والمرور والجهات ذات العلاقة يجب أن يكون تنسيقا دائما، يقوم على قراءة حركة المدينة، وإعادة هندسة بعض التقاطعات، وتحسين المخارج والمداخل، وتطوير حلول النقل والمواقف والمشاة.
✔️ومن الملفات التي ينتظر الناس فيها روحا جديدة.. التخفيف من الإجراءات التي ترهق المواطن، خصوصا ما يتعلق بالغرامات والمخالفات. فالتنظيم مطلوب، واحترام النظام ضرورة، لكن الإدارة البلدية الناجحة هي التي توازن بين هيبة النظام ورحمة التطبيق، وبين ضبط المدينة وعدم إرهاق سكانها بإجراءات يمكن تبسيطها أو معالجتها بالتوعية والإنذار قبل العقوبة..وفي ظل رؤية 2030، التي جعلت تمكين الشباب والمشاريع الصغيرة جزءا من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، تبدو جدة مؤهلة لأن تكون حاضنة حقيقية للمبادرات الشابة. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أصحاب عربات الطعام “الفودتراك” والمشاريع الصغيرة، فهؤلاء لا ينبغي أن يُنظر إليهم كمخالفين محتملين، وإنما كجزء من اقتصاد المدينة وروحها الحديثة..والمؤمل أن تطور الأمانة مناطق حاضنة ومنظمة لمزاولة هذه الأنشطة، تكون مجهزة بالخدمات، وموزعة بعدالة في مواقع حيوية، وتمنح أصحابها الرخص بسهولة وكلفة معقولة، بدل ملاحقتهم أو إثقالهم بالغرامات. فالفودتراك، والبسطات المنظمة، والمشاريع الصغيرة، يمكن أن تتحول من مشهد عشوائي إلى قيمة اقتصادية وسياحية واجتماعية، إذا وجدت التنظيم الذكي والمساحة الآمنة والدعم البلدي المناسب.
✔️إن الأمين الجديد أمام فرصة مهمة: أن يبدأ من الناس، لا من الملفات فقط..أن يقرأ جدة من أحيائها وشوارعها وشواطئها، وأن يقيس أثر القرار من واقع الحياة اليومية لا من التقارير وحدها. فجدة لا تطلب المستحيل، لكنها تطلب إدارة قريبة، عادلة، حازمة، وذات خيال عمراني يليق بتاريخها ومكانتها..فجدة مدينة لا تُدار بالأرقام والمشاريع الكبرى وحدها، ولكن بفهم روحها وخصوصيتها. ومن يفهم جدة، يدرك أن بحرها ليس مجرد واجهة، وتاريخها ليس مجرد مبان قديمة، وشبابها ليسوا عبئا على التنظيم، لكنهم طاقة تنتظر من يفتح لها الطريق…
فمرحبًا بالأمين الجديد في مدينة عظيمة لا تشبه غيرها مدينة إذا أُحسن مسؤولها الإصغاء إليها، دلّته على الطريق.

كاتب رأي 

 

 

الدكتور / عبدالإله محمد جدع

أديب وشاعر وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.