كُتاب الرأي

المكتبة… حاضنة الموهبة وصانعة الإبداع

المكتبة… حاضنة الموهبة وصانعة الإبداع

بقلم: بكري بن معتوق عساس

تمثل صناعة الموهبة، وصقلها، وتعزيزها إحدى الضروريات التربوية في بناء المجتمعات المتقدمة، إذ إن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، ولا سيما الأطفال واليافعين الذين يمتلكون قدرات استثنائية تحتاج إلى الاكتشاف والرعاية. ومن هنا يبرز الدور المحوري للمؤسسات التعليمية والثقافية في اكتشاف مواهب الطلاب وتنميتها في مختلف المراحل العمرية.

وتُعد الموهبة من المفاهيم التربوية المرتبطة بالطلاب ذوي القدرات الخاصة، وهم فئة تتميز بإمكانات عقلية وإبداعية تفوق أقرانها، بما يؤهلها لتحقيق مستويات عالية من التميز العلمي والثقافي. ويملك هؤلاء استعدادات فطرية وقدرات غير عادية في التفكير الابتكاري والإبداع وحل المشكلات والقيادة وغيرها من المهارات، الأمر الذي يستوجب توفير برامج تعليمية متخصصة تتجاوز ما تقدمه البرامج المدرسية التقليدية.

ومن أبرز السمات المشتركة لدى الموهوبين أنهم يتعلمون القراءة والكتابة بسرعة، ويتقنون المهارات الأساسية في وقت وجيز، ويتمتعون بقدرة عالية على فهم الأفكار المجردة وربط المعلومات واستخلاص النتائج. كما يفضل كثير منهم العمل باستقلالية، ويتميزون بتركيز عالٍ وطاقة كبيرة وحب للاستكشاف، وغالبًا ما يميلون إلى تكوين صداقات مع من يكبرونهم سنًا لتقاربهم الفكري معهم.

وانطلاقًا من هذه الخصائص، فإن الأطفال واليافعين الموهوبين يحتاجون إلى بيئات تعليمية وثقافية محفزة تثري قدراتهم، وتوفر لهم مصادر متنوعة للمعرفة، وهنا تتجلى أهمية المكتبة بوصفها شريكًا أساسيًا في رعاية الموهبة وتنميتها. فالمكتبة ليست مجرد مكان لحفظ الكتب، بل هي مركز للإبداع، ومنصة للتعلم الذاتي، وفضاء يلتقي فيه الشغف بالمعرفة مع فرص التطوير.

وتعد المكتبة المرجع الأول الذي يستعين به المعلمون والطلاب الموهوبون للحصول على مصادر معرفية متنوعة تتوافق مع اهتماماتهم، كما تمنحهم بيئة داعمة تساعدهم على البحث والاكتشاف والتواصل مع أصحاب الاهتمامات المشتركة.

وتسهم المكتبات العامة، والمكتبات الوطنية، والمكتبات المدرسية في مختلف أنحاء العالم في تقديم برامج متخصصة لرعاية الموهوبين، من خلال توفير مصادر معرفية متنوعة، وتنظيم أنشطة ثقافية وتعليمية تسهم في تنمية قدراتهم، وتوسيع آفاقهم الفكرية، وإشباع فضولهم العلمي، بما يعزز لديهم حب التعلم والبحث والاكتشاف.

ومن أبرز هذه البرامج: برامج دعم القراءة التي تثري الرصيد المعرفي، وأندية الكتاب التي تنمي التفكير النقدي وترسخ عادة القراءة والحوار، والورش الإبداعية والابتكارية التي تتيح للموهوبين تحويل أفكارهم إلى مشاريع عملية، إضافة إلى المسابقات الثقافية التي تغرس روح التحدي والمنافسة الشريفة وتعزز الثقة بالنفس.

وفي العصر الرقمي لم تعد المكتبة مجرد رفوف للكتب، بل أصبحت بيئة معرفية متكاملة توظف التقنيات الحديثة والموارد الرقمية وقواعد المعلومات لدعم التعلم الذاتي والبحث العلمي، مما يجعلها شريكًا رئيسًا في إعداد جيل قادر على الابتكار والإبداع.

إن رعاية الموهبة ليست مسؤولية المدرسة وحدها، بل هي مسؤولية تشاركية تتكامل فيها الأسرة والمؤسسات التعليمية والمكتبات والمراكز الثقافية. وكلما أُحسن استثمار هذه الطاقات، ازدادت قدرة المجتمع على صناعة المستقبل، لأن الموهوب اليوم هو العالم والمفكر والمبتكر وقائد الغد.

كاتب رأي 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.