وفاءٌ لا يُنسى

وفاءٌ لا يُنسى
ماري منيب وبديع خيري حين تصنع العِشرة تاريخًا
بقلم: بكري بن معتوق عساس
في تاريخ الفن المصري مواقف إنسانية لا تقل جمالًا عن الأعمال الخالدة التي تركها أصحابها، ومن أروع تلك المواقف العلاقة التي جمعت الفنانة القديرة ماري منيب بالكاتب المسرحي الكبير بديع خيري في سنواته الأخيرة. فقد أظهرت صور نادرة ماري منيب وهي تساعد بديع خيري على السير بعدما أثقل المرض جسده، بينما يظهر في بعض اللقطات الفنان الكبير فريد شوقي، في مشهد يجسد الوفاء والعرفان بين رفاق الفن.
لم تكن هذه العلاقة وليدة سنوات الشيخوخة، بل بدأت منذ ثلاثينيات القرن الماضي. فقد حاولت ماري منيب الالتحاق بفرقة نجيب الريحاني، إلا أن طلبها رُفض لصغر سنها، ثم تكرر الرفض مرة أخرى، حتى تدخل الكاتب بديع خيري، الشريك الإبداعي للريحاني وعقل الفرقة الأدبي، فأقنع الريحاني بمنحها دورًا صغيرًا في مسرحية «الدنيا لما تضحك» عام 1934. ومنذ تلك اللحظة انطلقت مسيرتها، لتصبح واحدة من أشهر نجمات المسرح والسينما، وتميزت بخفة ظلها وأدائها الفريد، حتى ارتبط اسمها في ذاكرة الجمهور بشخصية «الحماة» التي أدتها بإبداع.
كان بديع خيري واحدًا من أهم كتاب المسرح والزجل في مصر، وصاحب إسهامات كبيرة في تطوير المسرح الغنائي والكوميدي، وكتب عشرات المسرحيات والأوبريتات والأغنيات، وشكل مع نجيب الريحاني ثنائيًا صنع مرحلة ذهبية في المسرح العربي.
وبعد رحيل نجيب الريحاني عام 1949، حمل بديع خيري وماري منيب مسؤولية الحفاظ على الفرقة، واستمرا في تقديم أعمال ناجحة، وكان من أبرزها مسرحية «إلا خمسة» التي أخرجها وقام ببطولتها عادل خيري، نجل بديع خيري، لتؤكد استمرار المدرسة الفنية التي أسسها الرواد.
أما فريد شوقي، فقد كان أحد أعمدة السينما العربية، ولقب بـ«ملك الترسو» ثم «وحش الشاشة»، وقدم مئات الأعمال السينمائية والمسرحية والتلفزيونية، وعُرف بوفائه لزملائه واحترامه لرواد الفن، لذلك لم يكن ظهوره بجوار بديع خيري في تلك الصور مجرد مصادفة، بل كان تعبيرًا عن تقدير جيل كامل لمن صنعوا تاريخ المسرح.
إن الصور التي جمعت هؤلاء العمالقة ليست مجرد لقطات أرشيفية، بل رسائل خالدة تؤكد أن الفن الحقيقي لا يقوم على الموهبة وحدها، وإنما على الوفاء والامتنان وحفظ الجميل. ولذلك بقيت أسماء ماري منيب، وبديع خيري، وفريد شوقي حاضرة في وجدان الجمهور، لأنهم تركوا إرثًا فنيًا وإنسانيًا سيظل شاهدًا على زمن كانت فيه القيم جزءًا أصيلًا من الإبداع.
كاتب رأي
