كُتاب الرأي

الجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي

الجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي

هل انتهى زمن الجامعة أم بدأ عهدها الجديد؟

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

يشهد التعليم العالي اليوم واحدة من أكبر التحولات في تاريخه الممتد عبر قرون طويلة. فالتطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقدم تقني عابر، بل أصبح قوة مؤثرة تعيد تشكيل مفاهيم المعرفة والتعلم والعمل والإبداع. وفي ظل هذه التحولات المتلاحقة، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل الجامعة ودورها في عالم أصبح الوصول إلى المعلومات فيه متاحاً بضغطة زر، وأصبحت فيه النظم الذكية قادرة على أداء مهام كانت حتى وقت قريب حكراً على الإنسان.

وفي هذا السياق يطرح الأكاديمي نيلس غيلمان في مقاله «الجامعة كما نعرفها انتهت» رؤية مثيرة للنقاش، مفادها أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد بعض وظائف الجامعة التقليدية فحسب، بل يدفع إلى إعادة النظر في النموذج الجامعي الحديث بأكمله. فالجامعة التي جمعت لعقود طويلة بين التعليم والبحث العلمي ومنح الشهادات وإعداد المهنيين وخدمة المجتمع أصبحت مطالبة اليوم بإعادة تعريف رسالتها وأولوياتها.

ويشير الكاتب إلى أن الأزمة الحالية لم تبدأ مع ظهور الذكاء الاصطناعي، بل سبقتها تحديات متراكمة تمثلت في ارتفاع تكاليف الدراسة، وتراجع الدعم الحكومي، وتزايد الاعتماد على القروض الطلابية، وتراجع مكانة العلوم الإنسانية والفكرية لصالح التخصصات المهنية. وقد أدى ذلك إلى تحول بعض الجامعات تدريجياً من مؤسسات لصناعة الفكر والمعرفة إلى مؤسسات تركز بصورة أكبر على منح المؤهلات والشهادات.

وجاء الذكاء الاصطناعي ليكشف هذه الإشكالات ويجعلها أكثر وضوحاً. فالطالب يستطيع اليوم الحصول على معلومات وتحليلات متقدمة خلال ثوانٍ، كما تستطيع النماذج الذكية إنتاج تقارير وأبحاث وصياغات أكاديمية عالية الجودة. ومن هنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثير من التربويين: ما القيمة الحقيقية للشهادة الجامعية إذا أصبحت المعرفة متاحة للجميع؟

ومن أبرز الأفكار التي يناقشها المقال أن أساليب التقييم التقليدية لم تعد كافية لقياس قدرات الطلبة. فالواجبات المنزلية والبحوث الفصلية التي كانت تهدف إلى قياس التحليل والاستنتاج أصبحت عرضة للتأثر باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. ولذلك يتوقع كثير من الخبراء أن تتجه الجامعات مستقبلاً إلى تعزيز الاختبارات الشفهية، والعروض التقديمية، والمناظرات، والمشروعات التطبيقية، وأساليب التقييم التي تركز على التفكير النقدي وحل المشكلات أكثر من التركيز على حفظ المعلومات.

كما أن دور الأستاذ الجامعي مرشح لأن يشهد تحولاً كبيراً. فبدلاً من أن يكون المصدر الوحيد للمعرفة، سيصبح موجهاً ومرشداً وميسراً لعملية التعلم، يساعد الطلبة على فهم المعلومات وتحليلها وربطها بالواقع، وتنمية القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة واتخاذ القرارات السليمة. وهذه الوظائف الإنسانية ستزداد أهمية كلما تطورت قدرات الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيقضي على الجامعات يبدو مبالغاً فيه. فالجامعات ليست مجرد قاعات دراسية أو شهادات أكاديمية، بل هي مؤسسات لصناعة رأس المال البشري وإنتاج المعرفة والابتكار. ومن رحم الجامعات خرجت معظم الاكتشافات العلمية الكبرى، ومنها انطلقت الشركات التقنية العالمية التي غيرت وجه العالم.

كما تؤدي الجامعات دوراً لا غنى عنه في بناء الشخصية وصقل المهارات الاجتماعية وتعزيز قيم الحوار والعمل الجماعي والانفتاح الثقافي. وهذه الجوانب يصعب على أي تقنية أن تحل محلها بالكامل، لأنها ترتبط بالتفاعل الإنساني المباشر وبالتجارب الحياتية التي يمر بها الطالب خلال سنوات الدراسة.

ولعل المستقبل الأقرب هو أن تصبح الجامعات أكثر ذكاءً ومرونة، بحيث توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة التعليم والبحث العلمي، مع التركيز على المهارات التي يتميز بها الإنسان؛ مثل الإبداع، والتفكير النقدي، والحكم الأخلاقي، والقيادة، والقدرة على التعامل مع المواقف المعقدة وغير المتوقعة.

إن التحدي الحقيقي أمام الجامعات ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل حسن توظيفه والاستفادة من إمكاناته الهائلة. فكما غيرت الطباعة والإنترنت مسار التعليم في مراحل تاريخية سابقة، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم فرصة لإعادة بناء التعليم العالي بصورة أكثر كفاءة وفاعلية.

الخلاصة أن الجامعات لن تختفي، لكنها ستتغير. وستبقى الحاجة قائمة إلى مؤسسات تصنع العقول، وترعى البحث العلمي، وتعد قادة المستقبل. أما المعرفة ذاتها فقد أصبحت متاحة للجميع، بينما تبقى الحكمة والقدرة على التمييز والتفكير السليم هي القيمة الحقيقية التي ينبغي أن تسعى الجامعات إلى غرسها في أجيال المستقبل.

كاتب رأي 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.