ترشيد الاستهلاك.. مسؤولية وطنية ودينية

ترشيد الاستهلاك.. مسؤولية وطنية ودينية
بقلم: بكري بن معتوق عساس
في ظل ما تنعم به المملكة العربية السعودية من موارد وإمكانات كبيرة، تبرز أهمية المحافظة على هذه النعم وترشيد استهلاكها باعتبار ذلك مسؤولية وطنية ودينية وأخلاقية. وقد حذرت العديد من الدراسات من الآثار السلبية للاستهلاك المفرط للطاقة والمياه، ومن بينها دراسة صدرت عام 2012 عن المعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن، أشارت إلى أن استمرار معدلات الاستهلاك المرتفعة قد يشكل تحدياً مستقبلياً لقدرة المملكة على المحافظة على مواردها الاستراتيجية.
وتتمثل المشكلة في أن كثيراً من مظاهر الإسراف ترتبط بشكل مباشر باستهلاك النفط ومشتقاته، فالمياه المحلاة تعتمد في إنتاجها على الطاقة، والكهرباء تنتج من مصادر تحتاج إلى الوقود، كما أن وسائل النقل المختلفة تعتمد بصورة أساسية على المنتجات البترولية. ومن ثم فإن أي هدر في هذه الموارد ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني وعلى حقوق الأجيال القادمة.
وتشير الإحصاءات إلى أن معدلات استهلاك المياه والكهرباء في المملكة ما زالت أعلى من المعدلات العالمية في عدد من المجالات، الأمر الذي يستدعي تعزيز ثقافة الترشيد في المجتمع. ولا تقتصر معالجة هذه الظاهرة على سن الأنظمة والتعليمات فحسب، بل تشمل أيضاً نشر الوعي المجتمعي وغرس قيم المحافظة على الموارد منذ الصغر.
لقد عرف المجتمع السعودي في مراحل سابقة أنماطاً معيشية أكثر حرصاً على الاستفادة من الموارد المتاحة، وكان الشعور بقيمة النعمة دافعاً طبيعياً لتجنب الهدر. والمقصود هنا ليس العودة إلى وسائل الماضي، وإنما استعادة روح الاعتدال والوعي التي كانت تحكم سلوك الاستهلاك.
وتبذل الدولة جهوداً كبيرة في دعم خدمات الكهرباء والمياه والطاقة، وتتحمل أعباء مالية ضخمة لضمان وصول هذه الخدمات للمواطنين بأسعار مناسبة. ولو قورنت هذه الأسعار بالأسعار العالمية لأدرك الجميع حجم الدعم الذي تقدمه الدولة للحفاظ على جودة الحياة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
ومن الأمثلة الإيجابية التي تستحق الإشادة، التحول المتزايد إلى استخدام الأجهزة الموفرة للطاقة، ونشر العدادات الذكية، والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، إضافة إلى المبادرات التوعوية التي تشجع على ترشيد استهلاك المياه والكهرباء في المنازل والمدارس والجهات الحكومية.
إن المحافظة على النعم واستدامة الموارد ليست مسؤولية الجهات الرسمية وحدها، بل هي واجب مشترك بين جميع أفراد المجتمع. فكل لتر ماء يتم توفيره، وكل كيلوواط من الكهرباء يتم ترشيده، يسهم في حماية الموارد الوطنية وتعزيز التنمية المستدامة.
وقد أرشدنا الإسلام إلى هذا المبدأ العظيم، فقال تعالى: «وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة». ومن هنا فإن الترشيد ليس مجرد سلوك اقتصادي، بل هو قيمة حضارية وإيمانية تعكس وعي الإنسان وشكره لنعمة الله عليه.
كاتب رأي
