كُتاب الرأي

وقف (أم البنين)… صرح علمي ومعرفي

وقف (أم البنين)… صرح علمي ومعرفي

بقلم: بكري عساس

إن أقدم جامعة في العالم والتي مازالت تمارس رسالتها العلمية حتى يومنا هذا ؛ لم تنشئها دولة؛ ولم تؤسسها حكومة؛ ولم تمولها شركة؛ بل أنشها “وقف”.

فقبل أكثر من ألف عام قامت امراءة قيروانية مسلمة لقبت بأم البنين، هي السيدة فاطمة بنت محمد الفهرية بوقف جزء من ثروتها الخاصة ليقوم به صرح علمي أصبح فيما بعد جامعة القرويين التي بقيت منارة للعلم، وتخرج فيها أساتذة وعلماء وأدباء بمختلف فروع العلم وتخصصاته، كان لهم أثر في تاريخ الحضارة الإنسانية وتقدمها، وهنا يفرض العقل سؤالا لا ينبغي أن نتجاوزه، كيف أستطاع الوقف أن يبني جامعة علمية بقيت أكثر من ألف عام ؟! بينما تعجز كثير من مؤسساتنا اليوم عن صناعة أثر يمتد لعقود قليلة.

حين نتحدث عن الوقف فإننا لا نتحدث عن أرض، ولا عن عقار، ولا عن دائرة إدارية، بل نتحدث عن فكرة حضارية أستطاعت أن تحول الثروة الخاصة إلى منفعة عامة مستدامة، ولذلك عرًف الفقهاء المسلمون الوقف بعبارة موجزة عظيمة المعنى:” حبس الأصل و تسبيل المنفعة”.

إن هذا التعريف ليس حكما فقهياً فحسب، بل هو فلسفة اقتصادية واجتماعية متقدمة، فالأصل يحفظ وينمى ولا يستهلك، أما المنفعة فتبقى تتجدد عاما بعد عام، وجيلا بعد جيل، ولهذا فالوقف ليس صدقة تنتهي، وليس تبرعاً يستهلك،بل هو نظام ينتج الخير بصورة مستمرة، ولو قرأنا تاريخ الحضارة الإسلامية قراءة علمية لوجدنا أن الوقف لن يقتصر على بناء المساجد للعبادة، بل أسهم في إنشاء الجامعات والمدارس والمستشفيات والمكتبات ورعاية الأيتام ودعم العلماء وتمويل البحث العلمي بكل فروعه العلمية والإنسانية ، حتى أصبح أحد أهم أدوات التنمية في تاريخ المسلمين ومن هنا: فإن قيمة الوقف لا تقاس بعدد عقاراته بل بمقدار أثره في حياة الإنسان.

إن الأمم التي تريد مستقبلاً قويا لا تكتفي بإدارة ثرواتها،بل تحسن بناء المؤسسات التي تحفظ تلك الثروات، وتحولها إلى تنمية مستدامة، والوقف واحدٌ من أعظم هذه المؤسسات،ولهذا فإننا بحاجة ألى أن ننتقل من التفكير في الوقف بوصفه أموالا أو عقارات، إلى التفكير فيه بوصفه شريكا في التنمية الاقتصادية والإجتماعبة.

إن الوقف بستطيع أن يسهم في دعم التعليم، والبحث العلمي، والرعاية الصحية، والابتكار وريادة الأعمال، وأن يخفف العبء عن الموازنة العامة للدولة من خلال تمويل مشروعات تنموية مستدامة تعود بالنفع على المجتمع والدولة، لكن تحقيق ذلك لا يكون بالشعارات، ولا بالاجتهادات الفردية، وإنما برؤية علمية، وإدارة كفوءة، وحوكمة رشيدة،وتشريعات تواكب متطلبات العصر، مع المحافظة على مقاصد الوقف واحكامه الشرعيىة.

يجب علينا أن لا نكتفي باستعراض التاريخ، ولن نقف عند تشخيص المشكلات فقط، بل يجب أن نقرأ الوقف قراءة علمية وقانونية واقتصادية، وأن نطرح حلولا علمية تسهم في إعادة بناء فلسفة الوقف ليعود شريكا حقيقيا في صناعة الانسان وتنمية الاقتصاد وبناء المستقبل ، فالوقف ليس مالا يحفظ ، بل حضارةٌ تدار.

كاتب رأي 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.