موت الصحيفة أم موت الورق؟

موت الصحيفة أم موت الورق؟
بقلم: د. بكري بن معتوق عساس
لم يكن توقف كثير من الصحف العريقة عن الطباعة الورقية، بعد عقود طويلة من الحضور اليومي، مجرد تغيير في وسيلة النشر؛ بل هو تحول عميق في تاريخ الصحافة نفسها. فسيطرة الصحافة الإلكترونية ومنصات الأخبار الرقمية، بما توفره من سرعة في نقل الخبر، وتحديث مستمر، وتفاعل مباشر مع القارئ، وانخفاض في كلفة الوصول، جعلت الورق يواجه منافسة لم يعد قادراً على تجاهلها، ودفع مؤسسات صحفية كثيرة إلى وقف مطابعها والتحول إلى الإصدار الرقمي.
لكن هل يعني موت المطبعة موت الصحيفة؟ بالتأكيد لا. فالصحيفة لا تموت حين تتوقف آلات الطباعة عن الدوران، وإنما تموت حين تفقد قدرتها على إنتاج مادة تستحق القراءة، وحين تعجز عن تقديم رأي رصين، وتحقيق مهني، وتحليل عميق، وقصة إنسانية لا تقدمها سرعة المنصات الرقمية.
إن التحول الرقمي ينبغي ألا يكون نهاية المطاف، بل بداية لمرحلة جديدة. وعلى الصحف العريقة أن تستثمر إرثها المهني، وتعيد بناء غرف أخبارها، وتدرب صحفييها على أدوات العصر، وتنتج محتوى متعدد الوسائط، وتستفيد من البيانات والذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على التحقق والمصداقية والاستقلالية.
فالورق قد يرحل، لكن الصحافة الحقيقية قادرة على البقاء؛ لأن القارئ قد يغير الشاشة التي يقرأ منها، لكنه لن يتخلى عن المحتوى الذي يثق به ويستحق وقته.
