المتنبي… الشاعر الذي تحولت أبياته إلى أمثال خالدة

المتنبي… الشاعر الذي تحولت أبياته إلى أمثال خالدة
بقلم: د. بكري بن معتوق عساس
يصعب أن يجتمع لشاعر عربي ما اجتمع لأبي الطيب المتنبي من حضورٍ أدبي وتأثيرٍ ثقافي. فقد تجاوزت أبياته حدود الدواوين لتصبح جزءًا من الذاكرة العربية، تتردد في الخطب والكتب والمجالس، ويستشهد بها المثقفون والعامة على السواء. ولم يكن ذلك مصادفة، بل نتيجة عبقرية شعرية جمعت بين قوة اللغة، وعمق الحكمة، وصدق التجربة، وروعة التصوير.
وُلد أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي بالكوفة سنة 303هـ/915م، وعاش حياةً حافلة بالترحال والطموح، واتصل بعدد من الأمراء، وكان أشهرهم سيف الدولة الحمداني، حيث بلغت شاعريته أوجها. كما مدح كافور الإخشيدي ثم هجاه، وقُتل سنة 354هـ/965م بعد أن ترك ديوانًا يُعد من أعظم دواوين الشعر العربي.
وإذا تأملنا أبياته وجدنا أن كثيرًا منها أصبح أمثالًا سائرة، مثل: «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»، و«إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم»، و«ما كل ما يتمنى المرء يدركه»، و«إذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسام»، و«خير جليس في الزمان كتاب»، و«إذا أكرمت الكريم ملكته»، وغيرها من الحكم التي لا تزال حاضرة بعد أكثر من ألف عام.
ولم يكن المتنبي شاعر حكمة فحسب، بل كان شاعر اعتداد بالنفس، حتى قال: «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي»، و«الخيـل والليل والبيداء تعرفني». وقد رأى بعض النقاد في هذا الفخر مبالغة، بينما اعتبره آخرون انعكاسًا لثقته بموهبته الاستثنائية.
ورغم أن بعض الأبيات المنسوبة إليه تُقرأ اليوم خارج سياقها التاريخي، فإن ديوانه يظل وثيقة أدبية كبرى تعكس أحوال عصره وصراعاته السياسية والاجتماعية، ولذلك ينبغي فهمها في سياقها الزمني وعدم إسقاطها على واقع مختلف.
لقد استطاع المتنبي أن يصنع من الشعر فلسفةً للحياة، وأن يحول القصيدة إلى مصدر للحكمة والإلهام. ولعل أعظم دليل على خلوده أن الناس قد يختلفون في الشعراء، لكنهم يتفقون على أن للمتنبي مكانةً لا ينازعه فيها إلا القليل، وأن كثيرًا من أبياته أصبحت جزءًا من الوجدان العربي، تتناقلها الأجيال وكأنها أمثال شعبية خالدة.
كاتب رأي


