كُتاب الرأي

المدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون!!

المدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون!!

بقلم: د. بكري عساس

المدينة المنورة ليست مدينةً تُزار فحسب، بل هي مدينةٌ تسكن القلب قبل أن تطأها القدم، وتستقر في الوجدان قبل أن تراها العين. فيها تتعانق جلال المكان مع عبق السيرة، ويشعر المسلم أن للتاريخ فيها نبضًا حيًّا، وأن كل طريقٍ فيها يقود إلى ذكرى من أكرم الذكريات: ذكرى المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، رضوان الله عليهم.

وقبل أربعة عقود أو تزيد، أنشد الشاعر المدني الكبير، وشيخ الصحفيين في زمانه، الأستاذ علي حافظ رحمه الله، مؤسس جريدة «المدينة»، قصيدته العذبة في حب طيبة الطيبة، فقال:

«فيا طيبَ المدينةِ كلُّ شِبرٍ
يضيءُ بها ويرفلُ في سَناها

ويا طيبَ المدينةِ كلُّ قلبٍ
يطيرُ لها ويخفقُ في لِقاها

ويا طيبَ المدينةِ كلُّ شخصٍ
يحنُّ لها ويحرصُ أن يراها»

ولعل أصدق ما يمكن أن يقال في المدينة المنورة أن الحنين إليها ليس شعورًا عابرًا، وإنما هو شوقٌ موصولٌ بجذور الإيمان، يسري في قلب كل مسلم، ويكبر كلما ازداد المرء معرفةً بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فمنذ أن تداعى الأوس والخزرج لنصرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومنذ أن وفد المهاجرون إلى المدينة، فاحتفى بهم الأنصار وآووهم ونصروهم، بدأت صفحةٌ من أعظم صفحات التاريخ الإنساني؛ صفحةٌ جعلت من المدينة دارَ هجرةٍ ونصرةٍ وإيمان، ومهدًا لدولة الإسلام الأولى، ومهوى أفئدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

وما من مسلمٍ على هذه الأرض إلا ويتمنى أن يُكتب له شرف الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يقف في الروضة الشريفة، تلك البقعة المباركة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة». ويتمنى كذلك أن يقف في المواجهة الشريفة، فيسلّم على نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، وعلى صاحبيه أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وأن تطأ قدماه مواضع وطئتْها أقدام أطهر جيل عرفته البشرية.

إنها أمنيةٌ غاليةٌ على قلب كل مسلم؛ أمنيةٌ جعلت الملايين، على امتداد القرون، يتدفقون إلى هذه المدينة المباركة، زائرين ومصلين، ومقيمين ومجاورين، يحملون في قلوبهم شوقًا لا تفي الكلمات بوصفه، ولا تختصره المسافات.

وفي المدينة يشعر المرء أن الزمن لا يمضي بالطريقة التي يمضي بها في سائر الأمكنة؛ فهنا للتاريخ حضور، وللذكرى عبق، وللمكان هيبة، وللروح سكينة. هنا تستعيد الذاكرة مشاهد الهجرة، وخطى المهاجرين والأنصار، ومواقف الوفاء والبذل والتضحية، وكأن صفحات السيرة قد أُعيد فتحها أمام العين والقلب.

وإذا كانت مكة المكرمة مهوى الأفئدة، فإن المدينة المنورة دار السكينة والوفاء، وفيها يزداد الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتعاظم محبة المكان الذي احتضن دعوته، ونصر رسالته، وشهد أعظم فصول بناء الأمة.

ولذلك تبقى المدينة المنورة، في وجدان المسلمين، أكثر من مكان؛ إنها ذاكرة أمة، ومحراب محبة، وموطن سيرة، ومدينةٌ كلما غاب عنها زائرٌ عاد إليها بقلبه، وكلما ودّعها ترك جزءًا من روحه بين أحيائها ومساجدها وطرقاتها.

ما أعجب المدن التي تسكنها الأقدام، وما أعظم مدينةً تسكن القلوب! وتلك هي المدينة المنورة؛ طيبة الطيبة، التي لا يحتاج حبها إلى برهان، ولا يحتاج الشوق إليها إلى موعد. يكفي أن يُذكر اسمها حتى تتحرك في القلب مشاعر لا تُرى، لكنها تُحس، ويكفي أن يُقال «المدينة» حتى يستيقظ في الوجدان شوقٌ قديمٌ متجدد.

فطوبى لمن رزقه الله زيارتها، والصلاة في مسجد نبيه صلى الله عليه وسلم، والسلام عليه وعلى صاحبيه، وطوبى لمن خرج منها ولم يخرج حبها من قلبه. وستظل المدينة، ما بقي في الأرض مسلمٌ يعرف قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مدينةً لا تُنسى، وحنينًا لا يخبو، وموطنًا تتوق إليه الأرواح قبل الأجساد.

**المدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون!!**

كاتب راي

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.