كُتاب الرأي

تنومة… حين يصنع الإرثُ مجدَ المستقبل

تنومة… حين يصنع الإرثُ مجدَ المستقبل

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

هناك أماكن نزورها، وأماكن تسكن في الذاكرة. وتنومة من تلك الأمكنة التي لا يكتفي زائرها بأن يرى جمال جبالها ووديانها، بل يعود منها محمّلًا بشيء من روح أهلها ودفء مجالسهم وعبق تاريخهم. ولعل أجمل ما في المكان أن يتحول تاريخه من صفحات محفوظة في الذاكرة إلى طاقة حية تصنع الحاضر وتفتح أبواب المستقبل.

من هنا جاءت زيارتي الأخيرة لتنومة، تلبيةً لدعوة كريمة من معالي الأستاذ علي الملفي (أبو علي)، وجمعية إرثنا التاريخي بتنومة؛ تلك النبتة الجميلة في بلادنا الغالية. وقد قمتُ برفقة معالي الدكتور محمد العوهلي، ومعالي الدكتور نايف الحجرف، وعالم القلب الأستاذ الدكتور عبدالله العبدالقادر، بزيارة المنطقة والمشاركة في ملتقى «إرثنا التاريخي». وتشرفت بإلقاء كلمة المشاركين في حفل افتتاح الملتقى، كما شاركت في جلسة نقاشية في يومه الختامي، الذي أُقيم في إحدى كليات جامعة الملك خالد.

لم يكن الملتقى مجرد استعادة لذكريات الماضي أو احتفاءً بإرث المكان، بل كان محاولة جادة لطرح سؤال المستقبل: كيف يمكن أن يتحول هذا الإرث الممتد لعشرات السنين إلى قوة ناعمة، وإلى أحد محركات الاقتصاد والسياحة والتنمية في تنومة؟ وهذا السؤال ينسجم بوضوح مع روح رؤية السعودية 2030، التي تنظر إلى التراث والثقافة بوصفهما جزءًا من بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر، لا مجرد موروث يُحفظ في المتاحف. وقد أكدت الرؤية أهمية الاعتزاز بالتاريخ والتراث والهوية الثقافية، فيما شهدت المملكة توسعًا كبيرًا في تطوير الوجهات السياحية والثقافية وإحياء المواقع التاريخية.

وهنا تبرز أهمية مثل هذه الملتقيات المحلية؛ فهي تضع الإرث في قلب مشروع التنمية، وتمنح المجتمعات المحلية فرصة لأن تكون شريكًا في صناعة مستقبل مناطقها. وما يطرحه الملتقى في تنومة يتناغم مع التوجه الذي يقوده سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – يحفظه الله – في تحويل عناصر القوة الكامنة في المملكة إلى فرص اقتصادية وثقافية وسياحية، بحيث يصبح لكل منطقة قصتها الخاصة وتجربتها التي تستحق أن تُروى للعالم.

ولا تزال في الذاكرة زيارتي لتنومة قبل عامين، حين زرتها برفقة معظم مديري الجامعات السعودية، وعدد من أصحاب المعالي الوزراء السابقين، بناءً على دعوة كريمة من معالي أخي الأستاذ عبدالله الملفي. وها أنا أعود للمرة الثانية، فأكرمتموني بثلاث ليالٍ حافلة باللقاءات والود والكرم الأصيل.

استضافنا على قهوة العصر الشيخ علي بن سعد الشبيلي، وكيل شيخ شمل قبائل بني أثلة من بني شهر، وتناولنا طعام الغداء عند الأستاذ الدكتور عبدالرحمن آل هشبول في الربوعة. كما التقينا عددًا كبيرًا من رجالات تنومة، من بينهم رجل الأعمال المعروف الشيخ علي بن سليمان الشهري، الذي نقل إليّ معالي الأخ عبدالله الملفي أن أهل تنومة كرموه بلقب «ابن تنومة البار»، تقديرًا لخدماته ومساهماته في المجتمع التنومي. وكان لنا كذلك لقاء مع عدد من الأكاديميين وأصحاب الفكر والأدب، ورجال المناصب العسكرية والمدنية.

لقد استطاعت جمعية إرثنا التاريخي بتنومة أن تصنع حراكًا مميزًا رغم حداثة عمرها؛ فهي في عامها الثاني من التأسيس. ويقف على رأسها البروفيسور فايز الشهري، بما عُرف عنه من خُلق رفيع وعلم عميق، إلى جانب أعضاء مجلس إدارتها، ومنهم الدكتور فايع عبدالله الشهري، عضو مجلس الشورى السابق، صاحب المواهب المتعددة والاهتمامات ذات القيمة العالية. وهذه التجربة تؤكد أن المؤسسات الأهلية والثقافية تستطيع أن تكون جسرًا بين الذاكرة والتنمية، وأن تجعل من العمل التطوعي والثقافي قوة دافعة للمجتمع.

أحبكم أهل تنومة، وبادلتموهم المحبة. ولعل أخانا الغالي الأستاذ الدكتور عبدالله آل عبدالقادر يستطيع أن يعلل سرعة كيمياء هذه المحبة بينكم وبين أهل تنومة؛ فهؤلاء القوم لا يحتاجون إلى وقت طويل كي يفتحوا للقادم قلوبهم وبيوتهم. عبارتهم الأولى: «مرحبا ألف»، ثم تتوالى الدعوات: تفضل، الغداء عندنا، العشاء عندنا، والبيت بيتكم.

تنومة جميلة، بل هي «ملكة جمال عسير»، كما جاء في عنوان مقال للدكتور زياد قبل عامين. لكن جمالها الحقيقي لا يكمن في طبيعتها وحدها، على الرغم من سحر جبالها ووديانها ومناخها، وإنما في رجالها ونسائها، وفي ما تحتضنه من علم وأدب وفكر وكرم وشهامة. إنها مدينة تبتسم لزائرها قبل أن تسأله من أين أتى، وتمنحه شعورًا سريعًا بأنه بين أهله.

وإذا كانت تنومة تملك هذا الرصيد الطبيعي والتاريخي والإنساني، فإن أمامها فرصة كبيرة لتقديم نموذج محلي ملهم في توظيف الإرث. فالمطلوب ليس أن نحفظ التاريخ فقط، وإنما أن نعيد روايته، ونوثقه، ونقدمه في صورة تجارب سياحية وثقافية، وأن نفتح المجال أمام شباب المنطقة ورواد الأعمال والمبدعين ليحولوا القصص والأماكن والعادات والحرف إلى منتجات وتجارب اقتصادية تحافظ على الأصالة وتواكب العصر.

وهذا هو جوهر القوة الناعمة: أن تجعل المكان محبوبًا قبل أن يصبح مقصدًا، وأن تجعل قصته سببًا للزيارة، وأن يتحول ما يميزه عن غيره إلى قيمة يعرفها الناس داخل المملكة وخارجها. وإذا كانت رؤية السعودية 2030 تستهدف تنويع الاقتصاد وإثراء جودة الحياة وتعزيز الاعتزاز بالتاريخ والتراث، فإن تنومة تملك مقومات طبيعية وإنسانية وتاريخية يمكن البناء عليها في هذا الاتجاه.

ولدي نصيحة أخيرة لكل من يزور تنومة مستقبلًا: لا تُهملوا الميزان يوميًا! فكرم الضيافة ولذة الطعام قد يضيفان إلى أوزانكم بضعة كيلوغرامات، حتى وإن كانت تنومة نفسها من أجمل الأماكن لممارسة رياضة التسلق والهايكنج. وبين الطعام الشهي والمشي في الجبال، سيجد الزائر نفسه أمام معادلة تنومية فريدة: كرمٌ يزيد الوزن، وطبيعةٌ تساعد على استعادته.

غادرت تنومة، لكنني لم أغادرها حقًا؛ فقد حملت معي ابتسامات أهلها، ودفء مجالسها، وثراء ذاكرتها، وإحساسًا عميقًا بأن في هذا الوطن كنوزًا لا تزال تنتظر من يكتشفها ويقدمها للعالم. ولعل «إرثنا التاريخي» في تنومة يكون أكثر من ملتقى عابر؛ لعلّه بذرة لمشروع أكبر، يجعل من الإرث طريقًا إلى المستقبل، ومن الثقافة قوة ناعمة، ومن السياحة بابًا للتنمية، ومن ذاكرة المكان قصة سعودية جديدة تُروى للأجيال.

ذلك هو المعنى الأجمل لرؤية ولي العهد – يحفظه الله – حين تلتقي أصالة الماضي بطموح المستقبل: أن نعتز بما ورثناه، لا لنبقى أسرى له، بل لنصنع منه قوةً تدفعنا إلى الأمام. وتنومة، بما فيها من جمال المكان وكرم الإنسان وثراء التاريخ، جديرة بأن تكون واحدة من القصص الجميلة في هذا التحول الوطني الكبير.

كاتب رأي 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.