كُتاب الرأي

*إنتهت المهلة… وبقيت الحرب .*

*إنتهت المهلة… وبقيت الحرب .*

*رؤية تحليلية .*

*الثلاثاء الموافق (18) أغسطس 2026م .*

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

{ أخطر ما في نهاية المهل السياسية أنها لا تنهي أسباب الصراع بل تكشف ما أخفته الدبلوماسية مؤقتا. }

بلغت مهلة الستين يوما نهايتها من دون أن تنتج تسوية نهائية توقف الصراع أو تعالج أسبابه الرئيسية وبذلك تدخل الأزمة الأمريكية الإيرانية مرحلة مختلفة عما سبق. فالقيمة الاستراتيجية لانتهاء المهلة ليست في عد أيامها وإنما في سقوط القيد الزمني الذي منح الدبلوماسية مساحة متقدمة على بقية الخيارات. أما الآن فقد أصبح على الطرفين إعادة حساب الكلفة والوقت والهدف وما يمكن الحصول عليه بالتفاوض مقارنة بما يمكن فرضه بالضغط أو القوة.

غير أن تحميل الطرفين المسؤولية بالقدر نفسه لا يعكس جذور الأزمة. فالنظام الإيراني أمضى عقودا في بناء أدوات القوة خارج حدوده وربط أمن المنطقة بمشروعه السياسي والعسكري واستخدم الصواريخ والمسيرات والأذرع الإرهابية المسلحة لفرض النفوذ والضغط على الدول والممرات البحرية. وهذه السياسات لم تجلب للشعب الإيراني أمنا أو رخاء بقدر ما راكمت الأزمات والعقوبات والصراعات وأبقت المنطقة أمام دورات متلاحقة من التوتر.

أولا: عندما ينتهي الوقت ولا تنتهي الأزمة.

المهل السياسية تمنح الأطراف فرصة لاختبار إمكان التسوية وتمنح الوسطاء مجالا للحركة وتؤجل بعض القرارات العسكرية. لكن نهايتها من دون اتفاق تنقل السؤال من ماذا يمكن أن تحقق المفاوضات؟ إلى ماذا سيفعل كل طرف بعدما اختبر حدودها؟

فالولايات المتحدة أصبحت أمام تقييم جديد لما إذا كان استمرار الانتظار يخدم أهدافها أم يمنح النظام الإيراني وقتا لإعادة ترتيب قدراته وتحسين أوراقه. وفي المقابل يقف النظام أمام نتائج سياسة اختارها بنفسه واستمر فيها سنوات طويلة رغم ما حملته من أثمان سياسية واقتصادية وعسكرية.

فالمشكلة ليست خلافا عابرا مع واشنطن وإنما منهج سياسي وأمني ممتد جعل التدخل في شؤون الدول ودعم الجماعات الإرهابية المسلحة وتهديد الملاحة واستخدام القوة غير المباشرة أدوات متكررة في إدارة النفوذ والصراع.

وهكذا أصبح الزمن نفسه جزءا من المواجهة.

ثانيا: النظام وأذرعه الإرهابية… فاتورة سياسة طويلة.

يصعب فهم الأزمة الحالية بعيدا عن الشبكة التي بناها النظام الإيراني في المنطقة وأنفق عليها المال والسلاح والخبرة والتدريب.

فبدلا من بناء علاقات طبيعية ومستقرة مع محيطه اختار النظام الاستثمار في الأذرع الإرهابية المسلحة واستخدامها للضغط والمساومة وتنفيذ أعمال تمنحه مساحة للإنكار وتبعد عنه ظاهريا المسؤولية المباشرة.

وفي مقدمة هذه الأدوات الجماعة الحوثية الإرهابية المسلحة التي حولت أجزاء من اليمن إلى منصات للصواريخ والمسيرات وتهديد الملاحة بينما استخدمت جماعات إرهابية مسلحة أخرى في ساحات إقليمية مختلفة لخدمة حسابات طهران ومشروعها السياسي والعسكري.

وهنا لا ينبغي أن تضيع المسؤولية بين المسميات والواجهات.

فالجهة التي تمول وتسلح وتدرب وتوفر المعرفة العسكرية ثم توظف نتائجها سياسيا لا تستطيع التنصل من مسؤوليتها عندما تستخدم تلك القدرات ضد الدول أو المدنيين أو الملاحة الدولية.

ولهذا فإن مسؤولية النظام الإيراني عن مشروع الأذرع ليست مسؤولية سياسية فحسب بل مسؤولية عن بيئة عدم الاستقرار التي ساهم في صناعتها وترسيخها عبر عقود.

والأشد قسوة أن الشعب الإيراني نفسه دفع ويدفع جزءا كبيرا من ثمن هذه السياسات بينما استنزفت موارد كان يمكن أن توجه إلى تنميته ورفاهيته في مشروعات النفوذ والتسلح والصراع الخارجي.

ثالثا: من مهلة التفاوض إلى إدارة الكلفة.

الحروب الطويلة لا تقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ والسفن وإنما بقدرة كل طرف على تحمل الكلفة والمحافظة على خياراته مفتوحة.

فالولايات المتحدة تمتلك تفوقا عسكريا كبيرا لكنها تحسب كلفة الانتشار وحماية قواتها وقواعدها ومصالحها واتساع مسرح العمليات. أما النظام الإيراني فيحاول المحافظة على ما بقي من قدراته العسكرية والاقتصادية وأوراق الضغط الإقليمية وتجنب ضربة أوسع من سابقاتها.

ومن هنا قد تصبح المرحلة المقبلة صراعا على الكلفة قبل أن تكون صراعا على الأرض.

كل طرف يريد أن يجعل الانتظار أكثر كلفة على خصمه وأقل كلفة عليه.

لكن هناك فارقا أساسيا؛ فجزء معتبر من الكلفة التي يواجهها النظام الإيراني اليوم لم تفرضها عليه الجغرافيا وحدها ولا الظروف الدولية وحدها وإنما صنعتها اختيارات سياسية وعسكرية تراكمت منذ عقود.

ومن يراكم أسباب المواجهة زمنا طويلا لا يستطيع أن يعزل نتائجها عن أسبابها عندما تبدأ الفاتورة في الظهور.

رابعا: هرمز ورقة قد ترتد على صاحبها.

مضيق هرمز أحد أهم أوراق النظام الإيراني لكنه في الوقت نفسه أحد أخطرها عليه.

فالتهديد بالمضيق يمنح طهران قدرة على التأثير في حسابات الطاقة والتجارة والتأمين والنقل البحري. لكن الانتقال من التهديد إلى تعطيل واسع للملاحة قد يغير طبيعة الأزمة جذريا.

فعندها لن تكون المسألة مواجهة مع الولايات المتحدة وحدها بل مساسا بمصالح دول عديدة تعتمد على أمن الممرات البحرية واستقرار تدفقات الطاقة والتجارة.

وكلما اتسع الضرر اتسعت دائرة المتضررين وكلما اتسعت دائرة المتضررين تقلصت مساحة المناورة أمام من تسبب فيه.

ولهذا فإن تحويل مضيق هرمز إلى أداة للابتزاز السياسي أو العسكري قد يصبح خطأ استراتيجيا بالغ الكلفة إذا افترض النظام أن المجتمع الدولي سيقبل تحويل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي إلى ورقة مساومة دائمة.

خامسا: من هرمز إلى باب المندب.

الخليج العربي وبحر العرب وخليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر تشكل سلسلة مترابطة من المصالح والممرات الاستراتيجية.

وهنا تتضاعف خطورة الأذرع الإرهابية المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني وعلى رأسها الجماعة الحوثية الإرهابية المسلحة.

فالهجوم على السفن وتهديد الموانئ وإطلاق الصواريخ والمسيرات ليست حوادث معزولة عن البيئة السياسية والعسكرية التي صنعت هذه القدرات وسلحتها ومكنتها.

واستخدام الوكيل لا يلغي مسؤولية الداعم كما أن تغيير العلم الذي ينطلق من تحته السلاح لا يغير حقيقة الخطر الذي يمثله.

لقد منحت سياسة الأذرع النظام الإيراني قدرة على مد نفوذه خارج حدوده لكنها أنتجت في المقابل جماعات إرهابية مسلحة تهدد الدول والممرات البحرية والمدنيين وتضاعف احتمالات توسع الصراع.

والأخطر أن هذه السياسة تجعل القرار الميداني موزعا بين أكثر من ساحة وأكثر من جماعة بما يزيد احتمالات سوء الحساب والتصعيد غير المنضبط.

وهذه ليست قوة مجانية للنظام بل كلفة استراتيجية تتراكم نتائجها كلما اتسعت ساحات الصراع.

سادسا: القوة الأمريكية أمام سؤال الهدف.

السؤال المهم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على توجيه ضربات جديدة؛ فميزان القدرات العسكرية معروف.

السؤال الأكثر أهمية هو: ما الذي تريد واشنطن تحقيقه إذا استخدمت القوة مرة أخرى؟

فالضربة العسكرية التي لا ترتبط بهدف سياسي محدد قد تدمر أهدافا لكنها لا تنهي بالضرورة الأزمة. أما إذا كان الهدف تغيير حسابات النظام الإيراني أو إضعاف قدرته على تهديد الملاحة أو تعطيل قدراته الصاروخية والمسيرة فإن شكل العمليات ومدتها وأهدافها سيكون مختلفا.

وهنا يصبح القرار السياسي أهم من عدد الأسلحة المتاحة.

فالقوة تستطيع فتح الطريق أمام السياسة لكنها لا تستطيع وحدها تحديد المكان الذي يجب أن تنتهي عنده الحرب .

سابعا: الدبلوماسية ليست صكا مفتوحا للمماطلة.

نهاية المهلة لا تعني بالضرورة نهاية التفاوض.

وقد تستمر الوساطات والاتصالات غير المباشرة بالتزامن مع الضغوط الاقتصادية والتحركات العسكرية وربما عمليات محدودة. لكن الدبلوماسية تفقد معناها إذا تحولت إلى فرصة لإعادة بناء القدرات وترتيب الأذرع ثم العودة إلى التهديد من جديد.

فالتفاوض يصبح ذا قيمة عندما يقود إلى تغيير السلوك وليس عندما يتحول إلى استراحة بين جولتين من التصعيد.

والنظام الإيراني يقف أمام خيار واضح بين الاندماج الطبيعي في محيطه على أساس المصالح والاحترام المتبادل وبين مواصلة مشروع أرهق المنطقة والشعب الإيراني نفسه.

فالنظام الذي يطالب بالتعامل معه بمنطق الدولة لا يستطيع أن يمارس في الوقت نفسه سياسة الأذرع الإرهابية المسلحة خارج حدوده.

ثامنا: أمن المنطقة والخليج العربي.

تضع تطورات المرحلة أمن المنطقة والممرات البحرية والمصالح الحيوية في قلب المشهد الاستراتيجي في ظل استمرار أهمية خفض التصعيد وما تفرضه طبيعة التهديدات القائمة من متغيرات أمنية وعسكرية متسارعة.

ويمتد ذلك إلى أمن المجالات الجوية والمنشآت الحيوية ومرافق الطاقة والموانئ ومراكز القيادة والاتصالات وحركة الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر العرب وخليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر.

وتبقى دول المنطقة أمام مشهد تتداخل فيه اعتبارات الأمن والاستقرار والطاقة والتجارة الدولية مع مخاطر الصواريخ والمسيرات والجماعات الإرهابية المسلحة وامتداد ساحات التوتر عبر أكثر من جبهة.

وفي هذا المشهد يصعب فصل أمن دولة عن أمن الممرات المحيطة بها كما يصعب اعتبار الاعتداءات التي تنفذها الجماعات الإرهابية المسلحة أحداثا محلية عندما تكون آثارها عابرة للحدود.

فخفض التصعيد مسؤولية دولية مشتركة وأمن الدول واستقلال قرارها ومصالحها الوطنية حقوق أصيلة لا تقبل المساومة.

التقدير الاستراتيجي.

نهاية مهلة الستين يوما لا تعني أن الحرب ستستأنف غدا كما أن استمرار الاتصالات السياسية لا يعني أن خطرها تراجع.

لكن ما تغير بالفعل هو قيمة الوقت.

فالمرحلة المقبلة قد تجمع بين المفاوضات والجاهزية العسكرية والضغط الاقتصادي والتهديد بالقوة في وقت واحد وسيظل القرار السياسي الأمريكي والمتغيرات الميدانية عاملين حاسمين في تحديد الاتجاه النهائي.

غير أن قراءة الأزمة بمعزل عن أسبابها ستكون قراءة ناقصة.

فالنظام الإيراني لا يستطيع أن يبني الأذرع الإرهابية المسلحة ويمدها بالسلاح والصواريخ والمسيرات ويستخدمها في ساحات متعددة ويهدد الممرات البحرية ويضع دول المنطقة أمام احتمالات التصعيد ثم يقدم نفسه باعتباره بعيدا عن النتائج التي صنعتها سياساته.

من يصنع الأداة يتحمل مسؤولية استخدامها ومن يمول السلاح لا تنتهي مسؤوليته عند الحدود ومن يجعل الجماعات الإرهابية المسلحة امتدادا لسياسته لا يستطيع فصل نفسه عن أفعالها عندما تأتي ساعة الحساب السياسي والاستراتيجي.

والفصل بين الشعب الإيراني والنظام هنا ضرورة أخلاقية وسياسية؛ فالشعب الإيراني ليس هو المستهدف بهذا النقد وإنما السياسات التي جعلت موارد الدولة وموقعها وقدراتها في خدمة مشروع صراع طويل بدلا من توظيفها في الاستقرار والتنمية.

وقد علمتنا فلسفة التاريخ والحرب أن الخوف والمصلحة والقوة من أعظم دوافع الصراع وأن أعلى مراتب القوة أن تحقق غايتها بأقل كلفة وأن الحرب تبدأ غالبا عندما تعجز السياسة عن بلوغ ما تريد بوسائلها الأخرى.

وبين هذه المعاني يقف النظام الإيراني اليوم أمام حصيلة اختيارات امتدت عقودا؛ فإما أن تتقدم الدولة على مشروع الأذرع وتتقدم السياسة على المغامرة وإما أن تستمر الفاتورة في الارتفاع حتى يدفع النظام وأذرعه الإرهابية ثمن هذه الخيارات .

كاتب رأي 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.