حرب المسيرات / 3

حرب المسيرات / 3
رؤية تحليلية .
الأحد الموافق (16) أغسطس 2026م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
{ في حرب المسيرات قد لا تكون الأفضلية لمن يملك السلاح الأقوى بل لمن يكتشف التهديد أولا ويفهمه أسرع ويمنح قراره وقتا أطول. }
فرضت المسيرات نفسها خلال الحروب الأخيرة باعتبارها أحد أكثر الأسلحة قدرة على تغيير معادلات القوة والكلفة معا. وما بدأ وسيلة للاستطلاع والمراقبة أصبح قادرا على تنفيذ الهجمات بعيدة المدى والعمل ضمن موجات كثيفة تجمع بين المسيرات والصواريخ وأهداف الخداع.
وقد تناول الجزءان السابقان من «حرب المسيرات» تطور هذا السلاح ووسائل مواجهته وما دخل إلى ميدان الاعتراض من تقنيات حديثة. لكن التطورات الأخيرة تفتح بابا مختلفا؛ فالمعركة لم تعد تبدأ عندما تطلق وسيلة الدفاع نيرانها نحو المسيرة بل قبل ذلك بكثير عندما تحاول منظومة الدفاع اكتشاف جسم صغير قد يطير منخفضا ولا يبث إشارة يمكن الاعتماد عليها في تحديد موقعه.
معركة الاكتشاف.
ظل الرادار لعقود العين الأساسية للدفاع الجوي ولا يزال يحتفظ بمكانته المركزية. لكن المسيرات الصغيرة والمنخفضة فرضت تحديات مختلفة؛ فبعضها صغير المقطع الراداري وبعضها يستفيد من التضاريس والمباني وبعضها يستطيع تنفيذ أجزاء من مهمته دون اتصال لاسلكي مستمر.
ومن هنا لم يعد الاتجاه العالمي يبحث عن مستشعر واحد يحل المشكلة منفردا بل عن حواس متعددة تعمل معا.
رادار يراقب السماء ومستشعر إلكتروني يبحث عن الإشارات وكاميرا بصرية أو حرارية تحاول التعرف على الجسم ومستشعر صوتي يستمع إلى بصمة المحرك والمراوح ثم تأتي البرمجيات لتجمع هذه المعلومات في صورة واحدة.
{ ما تعجز عين عن رؤيته قد تسمعه أذن أو تلتقط أثره حاسة أخرى. }
ومن أكثر التطورات إثارة للاهتمام عودة الصوت إلى منظومات الإنذار الحديثة. فلكل محرك ومروحة خصائص صوتية يمكن التقاطها وتحليلها ومقارنتها بأنماط معروفة للمساعدة في تحديد طبيعة الجسم واتجاهه.
وقد اكتسب هذا المفهوم أهمية عملية في أوكرانيا حيث استخدمت شبكات من المستشعرات الصوتية للمساعدة في كشف التهديدات الجوية المنخفضة. والتطور الأحدث هو انتقال بعض هذه المستشعرات من المواقع الثابتة إلى مركبات متحركة بما يفتح المجال أمام شبكات إنذار تستطيع التحرك مع القوات والقوافل ومراكز القيادة.
وهذه المستشعرات ليست بديلا عن الرادار بل طبقة إضافية تكمله. كما أن عملها السلبي يمنحها ميزة مهمة؛ فهي تستقبل الصوت دون الحاجة إلى بث راداري يكشف موقعها ويمكن للإنذار الأولي الذي توفره أن يساعد في توجيه مستشعرات أخرى نحو القطاع الذي يأتي منه التهديد.
دمج الحواس.
امتلاك عدة أجهزة لا يعني بالضرورة امتلاك منظومة دفاع أفضل. فإذا عمل الرادار والكاميرا والمستشعر الصوتي والرصد الإلكتروني كل على حدة فقد تتراكم المعلومات أمام المشغل بدلا من أن تساعده.
لذلك ينتقل مركز الثقل إلى دمج بيانات المستشعرات.
فعندما يرصد مستشعر صوتا مشتبها به ويظهر الرادار جسما في الاتجاه نفسه وتلتقط الكاميرا الحرارية أثرا متوافقا معه ترتفع درجة الثقة في طبيعة الهدف. وهنا تدخل البرمجيات والذكاء الاصطناعي للمساعدة في فرز المعلومات وربطها وترتيب التهديدات وتقليل الإنذارات الكاذبة.
وهذا بالغ الأهمية عندما لا تواجه منظومة الدفاع مسيرة واحدة بل عشرات أو مئات الأجسام في توقيت متقارب؛ فالمشكلة عندئذ ليست نقص المعلومات بل كثرتها والوقت القصير المتاح لفهمها.
كما أظهرت الحروب الحديثة أن المهاجم لا يحتاج إلى أن تكون كل مسيرة محملة برأس حربي حتى تحقق أثرا عملياتيا. فالأهداف الخداعية التي ترافق المسيرات الهجومية تستطيع إجبار الدفاعات على اكتشافها وتتبعها وربما استخدام قدرات اعتراض ضدها.
وهنا تصبح القدرة على التمييز بين الأهداف جزءا من اقتصاد الحرب نفسه.
فإذا تعاملت منظومة الدفاع مع كل جسم بالطريقة ذاتها استطاع المهاجم استنزافها بأهداف أقل كلفة. أما إذا استطاعت الشبكة تحديد درجة الخطر والأولوية فقد تحتفظ بالوسيلة الأعلى كلفة للهدف الأعلى خطرا وتستخدم وسائل أخرى ضد الأهداف الأقل تعقيدا.
الثواني أصبحت جزءا من القوة.
تمر مواجهة التهديد الجوي بسلسلة قصيرة: اكتشاف ثم تصنيف ثم تتبع ثم تحديد للأولوية ثم قرار ثم اعتراض.
وكل ثانية تضيع في إحدى هذه المراحل تعني أن المسيرة قطعت مسافة إضافية نحو هدفها.
ولهذا أصبحت شبكات القيادة والسيطرة وإدارة المعركة ذات أهمية توازي أهمية المستشعر والسلاح. فقد يستطيع جهاز متقدم اكتشاف الهدف لكن قيمته العملياتية تتراجع إذا تأخر وصول المعلومة إلى الجهة القادرة على اتخاذ القرار.
وتتجه المنظومات الحديثة لذلك نحو بناء صورة عملياتية مشتركة تصل إليها معلومات المستشعرات المختلفة وترتبط بمراكز القيادة ووسائل الاعتراض في الوقت المناسب. كما تتجه الاختبارات والبرامج الدفاعية الحديثة إلى ربط المستشعرات والقيادة والسيطرة ووسائل الاستجابة ضمن دفاع متعدد الطبقات بدلا من تشغيل كل قدرة بمعزل عن الأخرى.
{ المستشعر يكتشف والبرمجيات تميز والشبكة تنقل والقيادة تقرر والسلاح يعترض. }
الذكاء الاصطناعي بين الرصد والقرار.
كلما ازداد عدد المستشعرات ازدادت كمية البيانات التي تصل إلى مراكز القيادة وهنا تتقدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي باعتبارها وسيلة لمساعدة الإنسان على التعامل مع الحجم والسرعة وليس باعتبارها بديلا عنه.
فالخوارزميات تستطيع مقارنة المسارات والسرعات والارتفاعات والبصمات المختلفة والمساعدة في توقع المسار المحتمل وترتيب الأهداف وفقا لدرجة الخطر.
وهذا يعني أن سباق المسيرات المقبل لن يكون سباق محركات وهياكل وذخائر فقط بل سباق خوارزميات وبيانات وسرعة قرار. وقد تستطيع الدولة التي تجمع بيانات ميدانية أفضل وتحدث برمجياتها بصورة أسرع تحسين أداء منظوماتها دون الحاجة في كل مرة إلى استبدال معداتها بالكامل.
حماية الدول والمنشآت الحيوية.
تكتسب هذه التطورات أهمية متزايدة للدول التي تواجه تهديد المسيرات أو تضع حماية منشآتها الحيوية ضمن أولويات أمنها الوطني. فالمطارات والموانئ ومنشآت الطاقة ومحطات الكهرباء ومراكز القيادة والاتصالات ومراكز البيانات وغيرها من المرافق الاستراتيجية أصبحت جزءا من بيئة تهديد تتسع مع تطور قدرات المسيرات وانخفاض كلفتها وتزايد قدرتها على العمل بأعداد كبيرة.
ولا يعني استخلاص الدروس استنساخ تجربة دولة بعينها؛ فلكل دولة بيئتها الجغرافية والمناخية والعمرانية وطبيعة منشآتها ومصادر التهديد المحيطة بها. ولذلك فإن القيمة الحقيقية تكمن في بناء منظومة مرنة متعددة الطبقات تجمع الإنذار المبكر والمستشعرات المختلفة والقيادة والسيطرة والاتصالات ووسائل الاعتراض ضمن صورة عملياتية واحدة.
فالدرس ليس في اقتناء كل تقنية جديدة تظهر في العالم بل في امتلاك بنية تستطيع اختبار المناسب منها واستيعابه وربطه بالقدرات الموجودة وفقا للاحتياجات الوطنية وطبيعة التهديد.
ولم يعد هذا الاتجاه مجرد تصور بحثي؛ فالبرامج الدفاعية الدولية الحديثة تتجه إلى جمع الرادار وتحديد الاتجاه والمستشعرات البصرية والحرارية والصوتية ووسائل المواجهة المختلفة ضمن منظومات قيادة وسيطرة موحدة.
كما تعكس الاستثمارات الدولية المتسارعة في قدرات مكافحة المسيرات حجم التحول الذي طرأ على موقع هذه المنظومات في التفكير الدفاعي الحديث؛ إذ لم تعد قدرة مساندة محدودة بل أصبحت أحد عناصر حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية واستمرار عمل الدولة في أوقات الأزمات .
الحرب تبدأ بالمعلومة.
أخطر خصائص حرب المسيرات أنها لم تصل بعد إلى شكلها النهائي. فكل وسيلة كشف تدفع المهاجم إلى البحث عن طريقة لتجاوزها وكل وسيلة تشويش تدفع إلى تطوير ملاحة أكثر استقلالا وكل وسيلة اعتراض أقل كلفة قد تدفع إلى زيادة الأعداد أو تغيير السرعات والارتفاعات والمسارات.
ولهذا لا تستطيع منظومات الدفاع أن تبقى ثابتة بينما يتغير التهديد.
فالقدرة على تحديث البرمجيات وتغيير التكتيكات وإدخال مستشعرات جديدة والاستفادة من الخبرة العملياتية بسرعة أصبحت جزءا متزايدا من مفهوم الجاهزية الحديثة.
وإذا كانت الأجزاء السابقة من «حرب المسيرات» قد تناولت تطور المسيرة ووسائل مواجهتها فإن التطورات الحالية تكشف تحولا آخر أكثر عمقا:
الحرب أصبحت تبدأ بالمعلومة قبل أن تبدأ بالنيران.
فالمسيرة التي لا تكتشف في الوقت المناسب قد تحد من فاعلية أقوى وسائل الاعتراض مهما بلغت كفاءتها. أما المسيرة التي تكتشف مبكرا وتمنح القيادة وقتا كافيا فقد تتحول من تهديد مباغت إلى هدف يمكن التعامل معه.
ولهذا فإن السماء المستقبلية لن تحرسها الصواريخ والمدافع وحدها بل شبكة من الرادارات والكاميرات والمستشعرات الصوتية والإلكترونية والبرمجيات والاتصالات والذكاء الاصطناعي تعمل معا لتمنح الإنسان أثمن ما يحتاج إليه في لحظة الخطر:
الوقت لاتخاذ القرار.
{ في حرب المسيرات أصبحت المعلومة ذخيرة والوقت سلاحا ومن يكتشف التهديد أولا يملك فرصة أكبر لأن يقرر كيف وأين ومتى يواجهه. }
كاتب رأي
