يظل خطر الحرب مرتفعا / 3

يظل خطر الحرب مرتفعا / 3
رؤية تحليلية للكاتب.
الأحد الموافق (9) أغسطس 2026م.
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية.
{ أخطر مراحل الصراع ليست دائما لحظة اندلاع الحرب بل المرحلة التي يعتقد فيها كل طرف أن خصمه سيتراجع قبل أن يضطر هو إلى التراجع. }
تتسارع المؤشرات العسكرية والسياسية في المنطقة بصورة تعيد إلى الواجهة ما تناولته في المقالين السابقين المنشورين تحت عنوان ؛ ( يظل خطر الحرب مرتفعا / 1 ) و ( يظل خطر الحرب مرتفعا / 2 ) من قراءة لاحتمالات التصعيد واتجاهاته المحتملة. وما يحدث اليوم ليس تكرارا لما سبق بل إنتقالا إلى مرحلة أكثر تعقيدا أصبحت فيها الملاحة والطاقة والضغط البحري والبرنامج النووي والجبهات الإقليمية المرتبطة بالنظام الإيراني عناصر متداخلة في صراع واحد قد يؤدي أي خطأ في حساباته إلى استئناف العمليات العسكرية على نطاق أوسع.
1. هرمز يتحول إلى مركز للصراع.
أعلنت طهران شروطا واسعة لإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل وربطت ذلك بإنهاء العمليات الأمريكية ضد إيران وحلفائها وانسحاب القوات الأمريكية من محيطها ورفع العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة ودفع تعويضات عن أضرار الحرب.
وتكشف هذه الشروط أن النظام الإيراني يسعى إلى تحويل مضيق هرمز من ممر بحري دولي طبيعي إلى ورقة ضغط استراتيجية يستخدمها لفرض شروط سياسية وعسكرية واقتصادية تتجاوز مسألة تنظيم الملاحة.
وهذه السياسة تمثل امتدادا للنهج الهجومي التخريبي العدواني الذي اتبعه النظام الإيراني في المنطقة منذ العام 1979م وحتى تاريخه من خلال توظيف القوة العسكرية والتهديد بالممرات البحرية ودعم التنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود واستخدامها لتحقيق أهداف سياسته الإقليمية.
وسبق أن تناولت في قراءة مستقلة حق المرور في مضيق هرمز مؤكدا أن أصل المرور العابر لا ينبغي أن يتحول إلى موضوع مساومة سياسية. فالمضيق ممر بحري دولي ( طبيعي ) تستخدمه السفن الداخلة والخارجة من وإلى الخليج العربي وحرية الملاحة فيه ترتبط بقواعد مستقرة في القانون الدولي للبحار ولا يجوز الخلط بينها وبين الخدمات والترتيبات التشغيلية التي يمكن الاتفاق بشأنها بين الدول المتشاطئة.
{ تحويل حرية الملاحة الدولية إلى أداة ابتزاز سياسي وعسكري يوسع الأزمة من مواجهة ثنائية إلى تهديد مباشر لمصالح المجتمع الدولي. }
1. واشنطن ترفع مستوى الضغط الميداني.
في المقابل تستمر الولايات المتحدة في فرض ضغط عسكري وبحري مباشر على النظام الإيراني مع استمرار العمليات البحرية واعتراض حركة بعض السفن وتغيير مسارات أخرى بالتزامن مع استمرار الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة.
وهذه البيئة لا تعكس تهدئة مستقرة. فالطرفان يستخدمان أدوات ضغط متصاعدة داخل مساحة جغرافية حساسة تمر عبرها نسبة مؤثرة من إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.
وكلما زاد الاحتكاك بين القوات والسفن والطائرات والمسيرات ارتفعت احتمالات أن تتحول حادثة محدودة أو قراءة خاطئة لتحرك عسكري إلى مواجهة أكبر من النوايا الأصلية للطرفين.
1. إسرائيل تبقي الملف النووي داخل معادلة الحرب.
يضيف الموقف الإسرائيلي عاملا آخر إلى احتمالات التصعيد. فالتأكيد المستمر على منع النظام الإيراني من امتلاك سلاح نووي يعني أن أي تقدير إسرائيلي بأن طهران تعيد بناء قدرة نووية تعتبرها إسرائيل تهديدا مباشرا قد يعيد الخيار العسكري إلى الواجهة مهما بلغ التقدم في الملفات الأخرى.
وبذلك لم يعد الصراع مرتبطا بملف واحد. فهناك البرنامج النووي ومضيق هرمز والضغط البحري والعقوبات والصواريخ والمسيرات إضافة إلى التنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود المرتبطة بالنظام الإيراني.
1. الحوثيون الإرهابيون وأذرع إيران يوسعون دائرة الخطر.
يأتي التصعيد الجديد للحوثيين الإرهابيين تجاه المملكة العربية السعودية والساحل الغربي اليمني ليكشف مرة أخرى خطورة الأذرع التي بناها النظام الإيراني ودعمها على مدى سنوات لتكون أدوات ضغط وتهديد خارج الحدود الإيرانية.
وإعلان الحوثيين الإرهابيين استهداف المملكة ومنشآتها الحيوية بالإضافة إلى التهديدات القائمة لتعطيل الحركة الملاحية الدولية العابرة لمضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر و خليج عدن بالتزامن مع احتدام المواجهة بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني لا ينبغي قراءته باعتباره عملية عسكرية منفردة بمعزل عن البيئة الاستراتيجية الأوسع.
فجماعة الحوثي الإرهابية أصبحت أحد أبرز الأذرع الإرهابية المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني في المنطقة وتلقت منه الدعم والخبرة والتقنيات التي مكنتها من استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والتهديد البحري ضد المملكة واليمن الشقيق والملاحة في البحر الأحمر.
وتقع المسؤولية الأساسية عن هذا النمط من التهديد على السياسة الهجومية التخريبية العدوانية للنظام الإيراني التي اعتمدت بناء وتسليح وتمويل أذرع إرهابية مسلحة مرتبطة بها في عدد من دول المنطقة واستخدامها لمد النفوذ الإيراني وخلق ساحات ضغط بعيدة عن الأراضي الإيرانية.
والأشد خطورة أن اعتداءات هذه الأذرع امتدت عبر السنوات إلى المدن والمنشآت المدنية ومرافق الطاقة والمطارات والموانئ وطرق الملاحة بما يجعلها تهديدا للأمن الإقليمي وللمدنيين وللاقتصاد العالمي.
أما المملكة العربية السعودية فقد انتهجت سياسة واضحة تقوم على الدفاع عن أمنها الوطني وحماية مواطنيها والمقيمين على أرضها ودعم استقرار اليمن الشقيق والعمل على خفض التصعيد وعدم توسيع دائرة الحرب. وهذه السياسة المسؤولة لا تعني القبول بالاعتداء ولا تنتقص من حق المملكة الكامل في اتخاذ ما يلزم لحماية أراضيها ومنشآتها الحيوية وأمنها الوطني وفقا للقانون الدولي.
1. سياسة الأذرع ترتد على النظام الإيراني.
تكشف التطورات الحالية عن نتيجة استراتيجية بالغة الأهمية وهي أن الأدوات التي أنشأها النظام الإيراني لزيادة قدرته على الضغط أصبحت اليوم أحد العوامل التي تزيد احتمالات اتساع المواجهة.
فكل هجوم تنفذه إحدى هذه الأذرع الإرهابية ضد دولة في المنطقة أو منشأة حيوية أو سفينة تجارية يرفع احتمال انتقال الرد من التعامل مع الذراع إلى محاسبة الجهة التي تدعمه وتموله وتسهم في بناء قدراته.
وقد اعتمد النظام الإيراني عبر عقود توزيع أدوات المواجهة على جبهات متعددة بما يتيح له ممارسة الضغط خارج حدوده ومحاولة تقليل الكلفة المباشرة عليه. لكن تطور قدرات الاستخبارات والاستطلاع وتحديد شبكات الدعم والقيادة يجعل الفصل بين الأذرع ومصدر دعمها أكثر صعوبة من السابق.
{ وهكذا قد تصبح سياسة الأذرع نفسها أحد العوامل التي تقرب المواجهة التي أراد النظام الإيراني استخدامها لتجنبها. }
1. أين تكمن الخطورة الآن؟
تكمن الخطورة في أن جميع الأطراف ترفع مستوى الضغط في وقت واحد.
النظام الإيراني يستخدم موقعه الجغرافي ومضيق هرمز والصواريخ والمسيرات والأذرع الإرهابية المسلحة المرتبطة به. والولايات المتحدة تستخدم تفوقها العسكري والضغط البحري والعقوبات. وإسرائيل تبقي الخيار العسكري مرتبطا بالبرنامج النووي. والحوثيون الإرهابيون يواصلون محاولة توسيع مساحة الصراع باتجاه المملكة و جنوب البحر الأحمر وخليج عدن .
وهذه بيئة شديدة القابلية لسوء الحساب.
فإذا تعرضت سفينة أمريكية أو خليجية لهجوم كبير أو أصيبت منشأة حيوية إصابة مؤثرة أو سقط عدد كبير من الضحايا أو تجاوزت إحدى أذرع النظام الإيراني الإرهابية مستوى تعتبره واشنطن أو إحدى دول المنطقة خطا أحمر فقد تتغير قواعد المواجهة بسرعة .
التقدير الاستراتيجي .
تدل مجمل المؤشرات الحالية على أن المنطقة دخلت مرحلة أصبح فيها هامش الخطأ أضيق من السابق. ولا يمكن الجزم بأن القرار السياسي الأمريكي باستئناف العمليات العسكرية الواسعة ضد النظام الإيراني قد اتخذ لأن القرار الأمريكي والمتغيرات الميدانية يظلان العاملين الحاسمين.
لكن اجتماع أزمة مضيق هرمز واستمرار الضغط والعمليات البحرية الأمريكية والملف النووي وتحركات الأذرع الإرهابية المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني وفي مقدمتها الحوثيون الإرهابيون يجعل احتمالات التصعيد أعلى ويزيد خطر انتقال المواجهة من الضغط المحسوب إلى الرد العسكري المباشر.
ويخطئ النظام الإيراني إذا اعتقد أن استخدام أذرعه المجرمة المسلحة يمنحه مساحة آمنة للتصعيد دون تحمل تبعاته كما يخطئ الحوثيون الإرهابيون إذا اعتقدوا أن استهداف المملكة العربية السعودية أو منشآتها الحيوية يمكن أن يصبح ورقة ضغط في صراع إقليمي لا مصلحة للشعب اليمني الشقيق فيه.
{ وقد تبدأ الجولة العسكرية التالية بصاروخ أو مسيرة أو هجوم على سفينة ثم تصبح حسابات الرد أقوى من حسابات التهدئة. }
ولهذا وبعد ما تناولته في المقالين السابقين يبقى تقديري الاستراتيجي والله أجلّ وأعظم و أعلم :
يظل خطر الحرب مرتفعا ،،،،
كاتب رأي


