وعلى الباغي تدور الدوائر / 2 .

وعلى الباغي تدور الدوائر / 2 .
رؤية تحليلية عسكرية .
السبت الموافق ( 3 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( أخطر ما يواجه الباغي ليس أن يفتح جبهة جديدة ، بل أن يكتشف متأخراً أن كل جبهة فتحها قد أضافت قوة جديدة إلى الدائرة التي تضيق عليه . )
قبل أيام كانت الدوائر تقرأ بوصفها مؤشرات ضغط تتجمع حول عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة ؛ في الميدان اليمني ، وفي محيط الردع الإقليمي ، وفي البيئة الدولية .
واليوم طرأ ما يستحق العودة إليها .
فالحوثي الإرهابي لم ينتظر حتى تكتمل الدوائر ، بل أخذ بتوسيعها بيده كلما وسع دائرة عدوانه .
ولذلك لم يعد السؤال : هل بدأت الدوائر تدور ؟
بل : ماذا صنع الحوثي بنفسه عندما وسع دائرة عدوانه ؟
فالاعتداءات الإرهابية الحوثية على أراضي المملكة العربية السعودية ومدنها ومنشآتها المدنية والحيوية لم توسع مساحة المواجهة فحسب ، بل نقلت اتفاق مكة للدفاع المشترك من دائرة الاحتمال السياسي إلى مواجهة أول اختبار حقيقي لفاعليته .
وهنا تدخل الدوائر مرحلة أخرى من الدوران .
فاجتماعات القيادات العسكرية العليا للمملكة وباكستان وتركيا ، وما أعقبها من تحرك سياسي وعسكري ، ثم الإعلان عن اجتماع اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية في الرياض لبحث الهجمات الحوثية ، كلها تطورات تعني أن الاعتداء لم يعد يقاس فقط بما أصابه الصاروخ أو وصلت إليه المسيرة ، بل بما استدعاه الهجوم نفسه من إعادة ترتيب لحسابات الردع والدفاع المشترك .
وليس من القراءة العسكرية المنضبطة القول إن الدول الثلاث قررت الحرب على الحوثيين ؛ فهذا لم يعلن . لكن من الخطأ كذلك التعامل مع ما يجري وكأنه مجرد بيانات تضامن سياسية .
فالانتقال من توقيع اتفاق دفاع مشترك إلى اجتماع القيادات العسكرية ، ثم إلى بحث اعتداءات فعلية تعرضت لها إحدى دول الاتفاق ، يحمل دلالة عسكرية لا يجوز إغفالها .
وهنا تقع عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة أمام معادلة صنعت جزءاً كبيراً منها بيدها :
كلما وسعت دائرة العدوان ، وسعت في المقابل دائرة القوى التي بات أمنها ومصالحها مرتبطين بنتائج ذلك العدوان .
وكلما ارتفع مستوى التهديد بالصواريخ والمسيرات ، ارتفعت معه الحاجة إلى تكامل الإنذار المبكر ، والدفاع الجوي والصاروخي ، والمعلومات الاستخباراتية ، والحرب الإلكترونية ، والقدرات التقنية ، والقيادة والسيطرة .
وهذه العناصر ، إذا انتقلت من التنسيق إلى التكامل العملياتي ، قد تكون أكثر تأثيراً في حسابات الردع من الاندفاع المباشر نحو حرب واسعة .
فالغاية الأولى من الردع ليست إطلاق النار ، بل جعل الخصم يدرك أن إطلاقه للنار لن يحقق له المكاسب التي أرادها ، وأن كلفة الاستمرار قد تصبح أعلى من قدرته على الاحتمال .
وفي الجهة الأخرى من الدائرة يتحرك الميدان اليمني .
فالضغط على القوات الحوثية ، واستهداف تجمعاتها وتعزيزاتها ومخازنها وخطوط إمدادها ، واستهلاك قدرتها على الحركة وإعادة التنظيم ، تصبح نتائجه أشد عندما يتزامن مع ضغط إقليمي يرفع على قيادة العصابة أعباء الحساب والتقدير والاحتياط .
فالخصم قد يعوض موقعاً خسره ، وقد يعيد تشكيل وحدة تعرضت للضرب ، وقد ينقل مخزناً أو يفتح خط إمداد بديلاً ؛ لكنه يدخل مرحلة أكثر خطورة عندما يضطر إلى حماية القيادة والمنصات والمخازن وخطوط الإمداد ، ومراقبة الجبهات ، والاحتفاظ بالاحتياط ، وفي الوقت نفسه حساب ردود الفعل الإقليمية على كل صاروخ أو مسيرة يطلقها خارج اليمن .
وهنا يبدأ الاستنزاف الحقيقي :
استنزاف القوة ، واستنزاف الخيارات ، واستنزاف القدرة على المبادأة .
ولا ينفصل ذلك عن مسؤولية النظام الإيراني الذي بنى خلال سنوات أدوات نفوذه الإقليمي على تسليح الأذرع الإرهابية ودعمها وتمكينها من تهديد الدول والممرات البحرية والمنشآت الحيوية ، وجعل من ساحات المنطقة ميادين ضغط غير مباشر ، تتحمل شعوبها ودولها كلفة سياسات التوسع والصراع بالوكالة .
لكن المشكلة في حسابات الوكلاء أنهم قد يظنون أن استمرار الدعم يعني استمرار حرية الحركة إلى ما لا نهاية .
وهذا ليس قانوناً في الحرب .
فكلما اتسعت الاعتداءات ، اتسعت معها احتمالات الرد ، وكلما تجاوز التهديد حدود الميدان اليمني ، تغيرت طبيعة القوى والقدرات التي تدخل في حساباته .
ومن هنا تأتي أهمية اجتماع الرياض المرتقب .
ليس لأنه يعني أن الحرب المشتركة قد تقررت ، فهذا لم يعلن ، وإنما لأن ما سيصدر عنه قد يحدد مقدار المسافة التي قطعتها الدول الثلاث من التشاور إلى التنسيق ، ومن التنسيق إلى التكامل الدفاعي .
وسيكون المعيار الحقيقي في طبيعة الإجراءات ، لا في كثرة العبارات .
أي في مقدار ما يتحقق من تكامل للمعلومات الاستخباراتية والإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي ، وما يتطور من قدرات مكافحة المسيّرات والحرب الإلكترونية والقيادة والسيطرة ، وما إذا كانت تلك الترتيبات ستجعل الاعتداء القادم مختلفاً في حساباته وكلفته عما سبقه .
ومع ذلك ، تبقى القاعدة العسكرية واجبة :
لا تبالغوا في نصر لم يكتمل .
فالميدان وحده يثبت النتائج ، والردع لا يقاس بما يقال عنه ، وإنما بما يمنعه من اعتداءات ، وما يفرضه من حسابات على الخصم .
لكن شيئاً واحداً أصبح أكثر وضوحاً :
الحوثي اليوم لا يواجه المعادلة نفسها التي واجهها بالأمس .
لقد وسع بيده دائرة المواجهة ، ورفع سقف التهديد ، واستدعى إلى حساباته قوى وقدرات ومسارات دفاعية جديدة ، وأصبح لكل صاروخ أو مسيرة يطلقها احتمال أن يرتد أثرها الاستراتيجي عليه بأكثر مما أراد أن يصيب به خصمه .
وهنا تكمن مفارقة البغي :
( قد يبدأ الباغي دائرة العدوان وهو يظن أنها ستدور على خصمه ، ثم يكتشف متأخراً أنه يقف في مركزها . )
ولذلك لم يعد السؤال :
هل تدور الدوائر ؟
بل :
إلى أين سيقود دورانها إذا استمر الباغي في توسيع دائرة عدوانه ؟
فالبغي قد يمنح صاحبه لحظة اندفاع ، لكنه لا يمنحه ضمانة النجاة من عواقبه .
وعلى الباغي تدور الدوائر …

