كُتاب الرأي

رامي: ابتسامة لم تغب

رامي: ابتسامة لم تغب

ورسالة لن تنتهي

بقلم/ سعود العتيبي
وكيل ثانوية السروات الأهلية

تأتي الأقدار أحياناً بغتةً؛ لتنزع من بيننا أطهر القلوب، وتترك في الأركان صمتاً مهيباً يتحدث عن غياب لا يُعوَّض. هكذا كان رحيل ابننا الغالي رامي عبده الحامظي، الطالب بالصف الثاني الثانوي بشركة السروات الأهلية، الذي غادر دنيانا إثر حادثٍ مروريٍّ أليم، تاركاً خلفه مقعداً خالياً، وجرحاً غائراً في قلوبنا، وصورةً حيّةً لا تغيب.

كوكيل للمرحلة الثانوية، تمرُّ عليّ وجوه كثيرة، وتتشابك أمامي تفاصيل يومية لطلاب كثر، لكن رامي –رحمه الله– كان علامةً فارقة. كان طرازاً فريداً من الأبناء الذين يملكون نضجاً يسبق سنوات عمرهم؛ طالباً راشداً في سلوكه, راجحاً في عقله، يسير بين جنبات المدرسة بهدوء الكبار ووقار الحكماء.

إن أعظم ما يتركه الراحلون هو أثرهم الطيب، وأثر رامي كان يكمن في ابتسامته الدافئة. تلك الابتسامة لم تكن مجرد تعبير عابر، بل كانت لغةً قائمةً بذاتها، تفيض بالحب، والاحترام، والتقدير لكل من حوله. لقد غاب وجلَس في التراب، لكن أثر مودته باقٍ في الذاكرة، كما قال الشاعر في وصف الراحل الحاضر بجماله:

وَمَا غَابَ إِلاَّ وَجْهُهُ عَنْ عُيُونِنَا
وَأَمَّا ثَنَايَا ضِحْكِهِ لَمْ تَغِيبِ

كَأَنَّ لَهُ فِي كُلِّ قَلْبٍ مَوَدَّةً
وَفِي كُلِّ نَفْسٍ لَوْعَةً مِنْ حَبِيبِ

طيلة مسيرته معنا، لم نسمع منه كلمة “لا” صريحةً قط؛ كان ينفذ ما يُطلب منه بطاعة وأدبٍ جمٍّ، وإذا ضاقت السبل أو اضطر للمراجعة، تبسّم حياءً وخجلاً، فكانت ابتسامته الدافئة كافيةً لتقول كل شيء دون صخب.

إننا اليوم، ونحن نعيش لوعة هذا الفقد، لا نجد عزاءً إلا في الإيمان بقضاء الله وقدره، وفي اليقين بأن رامي قد ترك خلفه سيرةً عطرةً تُدرَّس لزملائه. ويسوقنا الواجب والوفاء، أن نقف وقفة إجلال ومواساة لعائلته الكريمة، ولأشقائه الأحباء الذين يدرسون في المرحلة الابتدائية بذات المدرسة؛ ونقول لهم: إن رامي لم يكن طالبنا فحسب، بل كان ابننا جميعاً، وفقدكم هو فقدنا، ومصابكم هو مصابنا.

ولطلاب الصف الثاني الثانوي، زملائه وأصدقائه الأوفياء أقول لكم: إن المقعد وإن خلا من جسد رامي، فإن روحه وأخلاقه يجب أن تبقى حيةً فيكم. إن أفضل ما تقدمونه لأخيكم اليوم هو الدعاء له، وأن تقتدوا برجاحة عقله وحسن خلقه.

رحل رامي، لكن الابتسامة التي زرعها في قلوبنا لن تغيب، والأدب الذي علّمنا إياه سيبقى منقوشاً في ذاكرة السروات الأهلية. نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغسله بالماء والثلج والبرد، وأن يربط على قلوب والديه، وأشقائه، وزملائه برباط الصبر والاحتساب.

“إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”

كاتب رأي

سعود شباب العتيبي

أديب سعودي وكاتب رأي

‫10 تعليقات

  1. اللهم اغفر له و ارحمه و اسكنه فسيح جناتك و الهم اهله الصبر و السلوان
    درسته عامان ما غابت ضحكته ابدا و كنت اعتبره ولدي و امزح معه كما يفعل الاب مع ابنه و اشهد الله اني حزنت حزنا كاني فقدت ولدي
    اسال الله له الرحمة و المغفرة و لنا و للمسلمين اجمعين

  2. اللهم اغفر له و ارحمه رحمة واسعة واسكنه الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والصالحين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.