السياحة والفعاليات

مطير العيش

مطير العيش

سيرة الكرم الأصيل وحداثة الوفاء التنموي

بقلم: سعود العتيبي

في زمنٍ غابرٍ، كانت شمس الجزيرة العربية تشرق على حياةٍ شاقة، وتضاريس قاسية تختبر صبر الإنسان وقدرته على البقاء. ومن قلب تهامة الباحة، أشرقت قصة مجدٍ لم تُكتب بالحبر، بل صُنعت بالبذل وسُكبت في “صحاف العيش”.
ففي مركز جرداء بني عاصم بمحافظة الحجرة، تتجذر حكاية رمزٍ استثنائي عاش ما بين عامي 1260 هـ و1355 هـ؛ إنه الرمز مطير بن عطية العاصمي المالكي، الذي ألبسه الناس طوقاً من المحبة والمهابة فلقبوه بـ “مطير العيش”.
لم تكن قرية مطير مجرد تجمع سكني عابر، بل كانت نقطة ارتكاز استراتيجية متجذرة على طريق القوافل التاريخي القادم من اليمن باتجاه مكة المكرمة لأداء مناسك الحج. وفي حقبةٍ اتسمت بقلّة ذات اليد وقساوة العيش، كانت مزارع مطير البسيطة تنتج الحبوب بأنواعها كالذرة والدخن والقمح، لكنه آثر ألا تكون تلك السنابل لقوت عياله الفردي، بل سخر مزارعه ومستودعاته بالكامل لإعداد الطعام وتقديم العيش لعابري السبيل ومرتادي الطريق. فكانت “صِحاف العيش” تُمدّ لكل غريب ومسافر يمر تحت عقاب تهامة وسراتها، حتى تحول اسمه وقريته إلى واحة أمان وإطعام، واستحق لقب “العيش”؛ التاج الفاخر الذي توج به التاريخ كرمه غير المسبوق.
إن المجد التليد لا يموت ما دام في العروق دماءٌ تنبض بالوفاء؛ ومن هذا المنطلق برز الحفيد، حسين بن جار الله بن مطير العيش العاصمي المالكي، الذي خدم وطنه بامتياز وشرف في السلك العسكري، ليثبت أن حماية الوطن بالذود عنه وإحياء تراثه هما وجهان لعملة تنموية واحدة.
ولم يقف الحفيد عند حدود التغني بأمجاد الأجداد والوقوف على الأطلال، بل حمل فكراً تنموياً ووطنياً رائداً يواكب الرؤية السعودية الحديثة في صون الموروث وإبراز الهوية الوطنية. وبجهود ذاتية حثيثة وعزيمة صادقة، أعاد بناء منزل جده الأثري وحصنه الشامخ الذي كان يُخزن به الكرم ومنتجات المزارع، لتتحول ذكريات الماضي بفضل هذه الرؤية الملهمة إلى حقيقة ملموسة عبر تأسيس متحف تاريخي وتراثي فريد.
وبناءً على هذا الجهد المبارك، أصبحت “قرية مطير العيش” اليوم معلماً سياحياً بارزاً تزهو به محافظة الحجرة والمنطقة بأسرها، وواجهةً تستضيف المناشط السياحية، وتقام على أرضها الاحتفالات والمناسبات الوطنية السنوية لتربط أجيال الحاضر بتضحيات وقيم الماضي، مؤكدةً على ما قاله شاعر الجنوب الراحل محمد علي السنوسي :
مَضَى السَّلَفُ الأَبْرَارُ يَعْبَقُ ذِكْرُهُمْ … فَسِيرُوا كَمَا سَارُوا عَلَى الدَّهْرِ وَاصْنَعُوا
وَمَا الْفَخْرُ بِالْمَاضِي إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ … مِنَ الْحَاضِرِ الزَّاهِي بِنَاءٌ مُرَفَّعُ
خُذُوا بِأَكُفِّ الأُسْدِ مِنْ أَسْهُمِ العُلَى … نَصِيبًا فَإِنَّ الْحَاضِرَ الْيَوْمَ أَوْسَعُ
يَدُ الدَّهْرِ لَا تَسْخُو بِمَجْدٍ لِعَاجِزٍ … ضَعِيفٍ وَلَا تَنْدِي وَلَا تَتَبَرَّعُ
جَرَتْ حِكْمَةُ الدُّنْيَا عَلَى النَّاسِ أَنَّهَا … تَصُدُّ لِمَنْ صَدُّوا وَتَسْعَى لِمَنْ سَعَوْا
إن “مطير العيش” لم يكن مجرد رجل أطعم الجياع في زمن المسغبة، بل كان مدرسة في العطاء نجح حفيده الوفي في جعلها متحفاً حياً ينبض بالحياة، ومزاراً يروي للدنيا كيف يصنع السخاء الإنساني معالم الحضارة والوطنية.

كاتب رأي 

 

سعود شباب العتيبي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.