يحيى باجنيد .. السهل الممتنع في الأدب الساخر

يحيى باجنيد .. السهل الممتنع في الأدب الساخر
=============
سعود شباب العتيبي
في مسيرة كل صحفي، ثمة لحظة مفصلية تشكل وعيه وتمنحه صك العبور إلى عالم الحبر والمطابع. وثمة أسماء لا تمر في تاريخنا كعابري سبيل، بل يتركون في وجداننا أثراً لا يمحوه تقادم السنين. وحين نفتح دفتر الذاكرة لنستعرض “أصحاب الأثر” في الصحافة السعودية، يبرز اسم الأستاذ القدير يحيى محمد باجنيد كأحد أعظم صناع هذا الأثر، مديراً، ومعلماً، وحارساً للموهبة .
تعود بي الذاكرة عقوداً إلى الوراء، وتحديداً إلى تلك الأيام المترعة بالشغف في مجلة “اقرأ” الصادرة عن مؤسسة البلاد للصحافة والنشر. كنت حينها محرراً صغيراً متعاوناً، أتلمس خطاي الأولى في بلاط صاحبة الجلالة من ربوع منطقة الباحة ، أحمل قلماً غضاً وأحلاماً تكاد تطاول السماء. في تلك المرحلة، لم يكن الأستاذ يحيى باجنيد مجرد رئيس تحرير يقبع خلف مكتبه الفخم، بل كان مدرسة إنسانية وتوجيهية ممتدة. وما زلت حتى اليوم أحتفظ ببطاقتي الصحفية الممهورة بتوقيعه؛ تلك البطاقة التي لم تكن مجرد تصريح مرور رسمي، بل كانت “وثيقة اعتراف” وثقة من قامة كبرى، منحتني ومشت معي أولى خطوات الركض في ميدان الصحافة.لقد عشنا في مجلة “اقرأ” عصراً ذهبياً باذخاً بالأسماء والرموز الكبيرة .
كان باجنيد يقود دفة التحرير بروح “السهل الممتنع”، عاجناً صفحات المجلة بروح السخرية الذكية والنقد الاجتماعي المكثف الذي اشتهر به في زاويته التاريخية “حسبنا الله”.
وفي ذلك الفضاء التحريري الرحب، كنا نتعلم يومياً من قامات المجلة وأعمدتها؛ وعلى رأسهم الراحل القدير الأستاذ حسن الظاهري، الذي كان يشاغب عقولنا أسبوعياً بصفحته الشهيرة ومقالاته الأسطورية (1+1=6) ، كاسراً منطق الأرقام الجامد ليفتح لنا آفاقاً من النقد البناء والذكاء الصحفي الحاد.إن الكتابة عن الأستاذ يحيى باجنيد في صفحة “أصحاب الأثر” ليست مجرد استدعاء لذكريات شخصية، بل هي تحية واجبة لجيل من الرواد الذين لم يبخلوا بجهد، ولم يغلقوا باباً في وجه شاب مبتدئ .
لقد كان باجنيد يصنع منا صحفيين بالثقة والتمكين، ممتداً بأثره ورعايته من مركز المؤسسة في جدة إلى أصغر مراسل ومتعاون في أطراف الوطن. شكراً لأستاذنا الكبير، وشكراً لتلك البطاقة التي ما زالت تذكرني بأن الأثر الحقيقي للكاتب هو ما يزرعه في نفوس الآخرين من حب للمهنة وإخلاص للكلمة.
كاتب رأي




