كُتاب الرأي

أجساد بلا روح في سجون الواقع الرقمي

أجساد بلا روح في سجون الواقع الرقمي

سعود شباب العتيبي

في غرفٍ باردة ، تلمع أضواء الهواتف الزرقاء لتعكس حقيقةً مُرّة تصنعها الأسر الناشئة اليوم .
بيوتٌ تُبنى على ورق ، وحياةٌ زوجية كاملة اختُزلت في شاشة صغيرة لا تتعدى بضعة بوصات . يعيش الشريكان تحت سقف واحد ، لكنهما يفترقان في عوالم ومجرات شتى ؛ هو غارق في عالمه الافتراضي ، وهي تبحث عن الأمان خلف شاشة صامتة. لقد حلّ “الانفصال الروحي والعقلي” ضيفاً ثقيلاً على تفاصيل حياتهما اليومية. غابت الكلمة العفوية ، واختفت النظرة الحانية التي كانت تذيب تعب النهار ، وجفّت الأحاديث الدافئة التي تصنع السكن والمودة . تحوّل الشريكان إلى غريبين يتقاسمان الفاتورة والمكان ، ويغيبان عن نبض بعضهما البعض، والأشد إيلاماً وبكاءً في هذه الكوميديا السوداء ، أن تفقد المشاعر طهرها وعفويتها ، ليتحول اللقاء الجسدي الحميم —الذي هو ذروة الوصال الإنساني— إلى مجرد موعد جاف وميكانيكي ، يُرتّب له مسبقاً عبر رسالة نصية باردة ! تخرج العاطفة من “صندوق المحادثة” لتؤدي دوراً مؤقتاً ، ثم تعود الغربة لتفرض سلطانها بمجرد أن ينطفئ وهج اللقاء .
أيُّ حياةٍ باهتة وميتة هذه يا سادة؟ وأيُّ جيلٍ سينشأ في بيوت تُدار بالتحكم عن بُعد؟ إنها بيوت من زجاج ، بلا روح ، بلا عمق، وبلا أمان .
وكم عساها تصمد هذه البيوت أمام عواصف الواقع وهي تتغذى على وهم الشاشات؟ إننا نرقب بصمت احتضار دفء الأسرة ، وإلى متى سنبقى ننسق مشاعرنا عبر الجوال، بينما أرواحنا تصرخ من شدة الوحدة؟!
إذا لابد من طوق النجاة ، كيف نعيد للبيوت دفئها المستلب؟
إن إنقاذ هذه البيوت من جفافها الرقمي ليس مستحيلاً ، ولكنه يتطلب شجاعة ورغبة صادقة في استعادة النبض الحقيقي. إليكم هذه الحلول العملية لإعادة الدفء السليب : إعلان “غرفة النوم” منطقة منزوعة السلاح الرقمي : يجب أن تظل غرف النوم ملاذاً للهدوء والحديث، وتُمنع فيها الهواتف منعاً باتاً ؛ لتُفسح المجال للنظر في العيون والاستماع لنبرات الصوت الحقيقية.
تخصيص “ساعة الدفء اليومية” : التزام يومي لمدة ساعة واحدة على الأقل ، تُغلق فيها كل الشاشات ، ويجلس فيها الزوجان معاً لشرب كوب من الشاي ، والحديث عن تفاصيل يومهما ومشاعرهما بعيداً عن صخب العالم الافتراضي .
إحياء العفوية والمفاجآت :
كسر روتين “التنسيق المسبق” عبر الجوال بلمسات عفوية في الواقع ؛ كلمسة حانية مفاجئة ، أو كلمة ثناء غير متوقعة ، أو حضن دافئ عند الباب يذيب جليد اليوم الطويل دون مواعيد مجدولة .
البحث عن أنشطة واقعية مشتركة : الخروج معاً للمشي ، أو الطهي سوياً ، أو ممارسة هواية مشتركة .
هذه الأنشطة تصنع ذكريات حقيقية وتُشعل لغة الجسد والتواصل العقلي والروحي المفقود .
استبدال النص بالصوت والملامح : عندما تكونان معاً في البيت ، اطرحا الرسائل المكتوبة جانباً . اذهبا إلى بعضكما وتحدثا وجهاً لوجه ؛ فالعيون تترجم ما تعجز الحروف الجافة عن إيصاله .
زَوْجَانِ نَسْكُنُ فِي مَظَلَّةِ حُبِّنَا … لَا المَالُ يَشْغَلُنَا وَلَا الأَوْهَامُ
نَبْنِي الحَيَاةَ بِحِكْمَةٍ وَتَفَاهُمٍ … فَتَزُولُ مِنْ دَرْبِ النَّقَاءِ غَمَامُ
هَذَا الجَمَالُ بِأَنْ نَعِيشَ بِأُلْفَةٍ … وَبِأَنْ يُحِيطَ بِعَشِّنَا الإِكْرَامُ

كاتب رأي 

 

 

سعود شباب العتيبي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.