إفرازات وسائل التواصل الاجتماعي

إفرازات وسائل التواصل الاجتماعي
عندما يتحول الفضاء المفتوح إلى مرآة مشوّهة
———————
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد نافذة نطل منها على العالم، بل صارت فضاءً واسعاً يتشكل فيه وعي الناس وسلوكهم اليومي، ويتأثر به أسلوب حياتهم وعلاقاتهم وقيمهم. ومع هذا الحضور الكثيف في تفاصيل يومنا، ظهرت إفرازات سلبية كثيرة تسللت بهدوء إلى بيوتنا ونفوسنا، فطالت العلاقة بالله، وعلاقتنا بأنفسنا، وعلاقتنا بالآخرين.
أول ما يلفت الانتباه في هذا المشهد هو ذلك الانقطاع الصامت عن التواصل الروحي. أصبح الهاتف أول ما نفتح عليه أعيننا في الصباح، وآخر ما نغلقه قبل أن ننام. ساعات طويلة تُستهلك في التمرير والتصفح، بينما يضيق وقت الذكر والصلاة والتأمل. فانشغل الإنسان بالعالم الافتراضي عن عالمه الداخلي، وفقد تلك اللحظات الهادئة التي كان يستعيد فيها توازنه وصفاءه. وحين يغيب التواصل مع النفس ومع الله، يغيب معه السكينة، ويبقى الإنسان أسيراً للضجيج الخارجي.
وفي خضم هذا السباق الرقمي، ظهرت مظاهر التباهي بغرض الحصول على المشاهدات والترندات. تحولت بعض الحسابات إلى مسارح للعرض والاستعراض، لا يهم فيها صدق المحتوى بقدر ما يهم عدد اللايكات والتعليقات. فصرنا نرى تفاخراً بالمال والسفر والمقتنيات، حتى لو كانت مستأجرة أو مؤقتة. ومع تكرار هذا المشهد، ترسخت ثقافة المظهر على حساب الجوهر، وأصبحت القيمة تقاس بما يُرى لا بما يُعاش.
والأخطر من ذلك أن هذا العرض لم يقف عند حدود المال والممتلكات، بل تعداه إلى كسر حاجز الخصوصية. صار المطبخ وغرفة المعيشة ومشاكل الأبناء مادة للنشر والتعليق. البيت الذي كان سكناً وستراً تحول إلى مادة استهلاكية على الشاشات. وما كان يُحفظ ويُصان في الخفاء صار مباحاً للجميع، فتفتحت أبواب الحسد والعين والتدخل في شؤون لا تعني أحداً. ومع هذا الانكشاف، تآكلت قدسية البيت، واهتزت الثقة بين أفراده.
ولعل من أبرز ما أفرزته هذه المنصات هو انعدام الحياء الذي كان يحكم الخطاب العام. سهلت الشاشة كسر الحواجز، فظهرت ألفاظ جارحة، ومقاطع مبتذلة، وتعليقات مسيئة تمر تحت مسمى الحرية وخفة الدم. ومع التكرار صار القبيح مألوفاً، وفقد المجتمع حساسيته تجاه ما كان يعد عيباً. فإذا اعتاد الناس على رؤية البذاءة، صار إنكارها غرابة، وإذا اعتادوا على كشف الستر، صار الستر تخلّفاً.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وجد الرياء في العمل الصالح منفذاً أوسع مما كان عليه من قبل. فأصبحت الصدقة والعبادة والمواقف الإنسانية تعرض للجمهور طلباً للثناء، لا طلباً لوجه الله. يصور الإنسان نفسه وهو يساعد محتاجاً، أو وهو في لحظة عبادة، فيفقد العمل قيمته الروحية ويتحول إلى محتوى يُستهلك سريعاً ثم يُنسى. وهكذا يختلط العمل لله بالعمل للناس، وتضيع النية وسط زحام التفاعلات.
ومع انشغال الناس بهذه المظاهر، تآكلت العلاقات الحقيقية. المفارقة أن وسائل سميت “تواصلاً” وهي تقطع أقرب العلاقات. الجلوس مع الأهل صار يتم والهاتف في اليد، والزيارات قلت بحجة أن “التواصل موجود أونلاين”. فضعفت صلة الرحم، وقلّت الزيارة والود الحقي، واستبدلها تفاعل بارد عبر زر الإعجاب أو تعليق مختصر لا يسمن ولا يغني من جوع. وهكذا خسرنا الدفء الإنساني تحت وهم القرب الرقمي.
ومن أخطر الإفرازات أيضاً عدم مراعاة مشاعر الفقراء والبسطاء. فالاستعراض المبالغ فيه للحياة الفارهة يجرح مشاعر من لا يملك مثلها. عرض الهدايا الغالية، والولائم، والعطلات في كل لحظة، يولد إحساساً بالنقص والقهر لدى من يعيش ظروفاً أصعب. وبدل أن تكون المنصة وسيلة للتكافل والتراحم، صارت مصدر ألم نفسي لشريحة كبيرة ترى حياتها دائماً أقل مما تراه على الشاشة.
ولا شك أن النتيجة الحتمية لكل هذا هي اشتعال حمى المقارنات الحياتية. ترى الفتاة حياة غيرها فتظن حياتها ناقصة، ويرى الشاب بيت غيره فيشعر بالإحباط. والناس لا ينشرون إلا أجمل ما عندهم وأنجح لحظاتهم، فيظن المتابع أن حياة الجميع مثالية إلا هو. فتتراكم مشاعر القلق والاكتئاب وعدم الرضا بما قسم الله، ويعيش الإنسان في سباق لا ينتهي مع ظلال الآخرين.
ورغم كل هذا، فإن وسائل التواصل ليست شراً محضاً. هي أداة محايدة يتوقف أثرها على طريقة استخدامنا لها وعلى نيتنا من ورائها. المشكلة ليست في التطبيق ذاته، بل فينا نحن حين نغفل عن أولوياتنا، وننسى أن ما ننشره اليوم سيكون شاهداً لنا أو علينا غداً.
الحل يبدأ من كل فرد. فلنراجع نيتنا قبل أن نضغط زر النشر، ولنسأل أنفسنا: هل ما أنشره يرضي الله؟ هل يفيد الناس؟ هل يحفظ حرمة بيتي وبيوت الآخرين؟ هل يراعي مشاعر من قد يقرأه؟ إذا صلح القصد، صلح الأثر، وعادت هذه الوسائل وسيلة نافعة للتواصل والتعلم والتكافل، بدل أن تكون مرآة مشوّهة تعكس ما لا نرضاه لأنفسنا ولا لمجتمعنا.
فليكن شعارنا: ننشر ما يبني، ونصمت عما يهدم، ونحفظ ما بقي من حيائنا وخصوصيتنا وقيمنا، حتى لا نفيق يوماً وقد خسرنا أنفسنا في زحمة الشاشات.
همسة من الأفق البعيد :
” وما من كاتب الا سيبلى
ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء
يسرك في القيامة أن تراه ”
سعود شباب العتيبي



