كُتاب الرأي

الوالدان… أعظم وطنٍ يسكن القلوب

الوالدان… أعظم وطنٍ يسكن القلوب

بقلم: بكري عساس

في زحام الحياة وتسارع أيامها، يبقى للوالدين ذلك المقام الرفيع الذي لا يوازيه مقام، فهم السند الأول، والمدرسة الأولى، والوطن الذي يحتضن أبناءه حباً وعطاءً وتضحية. وكلما تقدّم الإنسان في العمر، أدرك حجم الجهد العظيم الذي بذله والداه في سبيل أن يراه في أفضل حال، وأن يوفرا له حياة كريمة ومستقبلاً أكثر إشراقاً.

فالأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمعات، والوالدان هما الأساس المتين الذي تقوم عليه تلك اللبنة. وما من إنسان ناجح أو مبدع أو مؤثر في التاريخ إلا وكان خلفه أب أو أم غرسا فيه القيم، وربّياه على الصبر والاجتهاد وتحمل المسؤولية.

وعندما نتأمل صفحات التاريخ، نجد أمثلة خالدة تؤكد عظمة دور الوالدين في صناعة الأجيال. فقد كانت والدة الإمام الشافعي – رحمه الله – مثالاً للأم الصابرة التي تحملت مشقة السفر والتربية حتى أصبح ابنها أحد أعظم علماء الأمة. كما أن والدة العالم توماس إديسون لعبت دوراً محورياً في حياته حين آمنت بقدراته رغم فشله الدراسي المبكر، فكان ذلك الإيمان سبباً في تحوله إلى واحد من أعظم المخترعين في التاريخ.

وفي اليابان، التي أصبحت رمزاً للنهضة الحديثة، لم يكن التقدم وليد التقنية وحدها، بل كان نتيجة ثقافة أسرية عظيمة تُعلي من قيمة الأب والأم والمعلم، وتغرس في الأبناء احترام العمل والانضباط وتحمل المسؤولية منذ الصغر.

ويقع على عاتق الأب دور عظيم في قيادة الأسرة، فهو الذي يسعى كل يوم لتأمين احتياجات أبنائه، ويبذل من وقته وصحته وجهده الكثير ليمنحهم حياة مستقرة وآمنة. وكذلك الأم، فهي القلب النابض للأسرة، تبني الأجيال بحنانها وصبرها وتضحياتها التي لا تُقدّر بثمن.

إن أعظم ما يمكن أن يقدمه الوالدان لأبنائهم ليس المال وحده، بل التربية الصالحة، وغرس المبادئ والقيم والأخلاق الحميدة. فالأبناء الذين ينشؤون في بيئة يسودها الحب والاحترام يصبحون أكثر قدرة على النجاح والعطاء وخدمة أوطانهم ومجتمعاتهم.

ولعل من المؤلم أن ينشغل بعض الآباء والأمهات عن أبنائهم رغم وجودهم بينهم، فالحضور الحقيقي لا يكون بالجسد فقط، بل بالاهتمام والمتابعة والاحتواء. وقد صدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:

ليس اليتيم من انتهى أبواه من همِّ الحياة وخلّفاه ذليلا
إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلّت أو أباً مشغولا

وفي النهاية، تبقى الأسرة هي الحضن الأول والأخير، ويبقى الوالدان أعظم نعمة يمنّ الله بها على الإنسان. فمهما بلغ الأبناء من نجاح ومكانة، فإنهم يظلون مدينين لأولئك الذين سهروا لأجلهم، وضحّوا بأعمارهم ليصنعوا منهم رجالاً ونساءً يفتخر بهم المجتمع والوطن.

كاتب رأي

 

الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.