المعلم الياباني… صانع المعجزة
المعلم الياباني… صانع المعجزة
بقلم: بكري عساس
لم يكن التحول الياباني المذهل بعد الحرب العالمية الثانية مجرد نهضة اقتصادية عابرة، بل كان مشروعاً حضارياً متكاملاً، ارتكز في جوهره على الإنسان والتعليم، وجعل من المعلم حجر الأساس في بناء الدولة الحديثة. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتحول اليابان، خلال عقود قليلة، من دولة مدمرة أنهكتها الحرب إلى واحدة من أكبر القوى الصناعية والاقتصادية في العالم.
لقد أدرك اليابانيون مبكراً أن بناء الأوطان يبدأ من بناء الإنسان، وأن المعلم هو الركيزة الأولى في صناعة الأجيال وصياغة المستقبل. وهنا تتجلى حكمة أحد العلماء المسلمين القدماء حين قال: “إن الأمة العظيمة يبنيها المعلم”.
فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945م، اتجهت اليابان إلى الاستثمار المكثف في العنصر البشري، وركزت على تطوير التعليم والبحث العلمي المنتج، وتوظيف التقنية الحديثة، وتطبيق مفاهيم الجودة الشاملة والشفافية في مختلف مؤسسات الدولة. وكان الهدف الأساسي هو بناء مجتمع قادر على النهوض من تحت الركام وصناعة مستقبل جديد.
ولذلك لم يكن التعليم في اليابان قائماً على التلقين والحفظ فقط، بل ارتبط بشكل مباشر باحتياجات الدولة الصناعية ومتطلبات سوق العمل، مما أسهم في إعداد أجيال مفكرة ومبدعة تمتلك مهارات الإنتاج والابتكار والانضباط.
وفي المجتمع الياباني يحظى المعلم بمكانة استثنائية واحترام كبير من جميع فئات المجتمع، حتى إن مكانته قديماً كانت تقترب من حالة “التقديس”، خاصة خلال عهد الإمبراطور ميجي المعروف بـ”الحكم المستنير”، وكذلك في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.
كما تحرص الأسر اليابانية على غرس احترام المعلم في نفوس أبنائها منذ السنوات الأولى للدراسة، الأمر الذي منح المعلم هيبة ومكانة اجتماعية كبيرة داخل المدرسة وخارجها، وأسهم في نجاح العملية التعليمية بشكل لافت.
ويُلقب المعلم في اليابان بـ”صاحب السعادة” تقديراً لمكانته ودوره في المجتمع، كما يحظى المعلمون الأكفاء برواتب مرتفعة وامتيازات مهنية واجتماعية كبيرة، إضافة إلى تكريمهم بصورة مستمرة، مما جعل مهنة التعليم من أكثر المهن جذباً وتنافسية في اليابان.
ولهذا تشهد كليات التربية اليابانية تنافساً كبيراً بين الطلاب المتميزين الراغبين في الالتحاق بمهنة التعليم، حيث تشير بعض الإحصاءات إلى أن نسبة كبيرة من خريجي الجامعات اليابانية تسعى للحصول على مؤهلات متقدمة في مجال التدريس، إيماناً بقيمة هذه المهنة ودورها الوطني.
ومن أجمل ما قيل عن مكانة المعلم في اليابان ما رواه الناقد والمفكر الدكتور عبدالمنعم تليمة، أستاذ النقد الأدبي بجامعة القاهرة، والذي عمل أستاذاً للغة العربية وآدابها في جامعة طوكيو خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث ذكر أنه فوجئ عند استلام راتبه بأنه أعلى من راتب رئيس الوزراء الياباني.
ويقول الدكتور تليمة إنه ظن في البداية أن هناك خطأً في الراتب، فتوجه إلى مسؤول الشؤون المالية في الجامعة للاستفسار، وكانت المفاجأة عندما أخبره المسؤول الياباني أن نظام الرواتب يعتمد على الدرجة العلمية وسنوات الخبرة وأهمية المهنة، وأن مهنة التعليم في اليابان تحظى بمكانة استثنائية تجعل أصحاب الكفاءات العلمية يحصلون على امتيازات كبيرة تقديراً لدورهم في بناء المجتمع.
إن التجربة اليابانية تؤكد أن احترام المعلم ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل مشروع وطني لصناعة الحضارة وبناء الإنسان. فالدول التي تكرم معلميها، وتمنحهم المكانة التي يستحقونها، هي الدول الأقدر على صناعة أجيال واعية وقادرة على قيادة المستقبل.
كاتب رأي
