سخريتهم ووعينا المضطرب
سخريتهم ووعينا المضطرب
محمد الفريدي
منذ القدم، لم يكن الضحك مجرد وسيلة للتسلية؛ بل كان سلاح الإنسان في مواجهة القهر والخوف والانكسار. فعندما تثقل الحروب والمآسي والظلم كاهله، يلجأ إلى السخرية بوصفها لغة أقدر من البكاء على التعبير عن الألم والغضب والرفض.
فالضحك في مثل هذه اللحظات لا يعني غياب الوجع، بل هو محاولة للتماسك ومقاومة الانهيار، وتحويل المعاناة إلى شكل من أشكال المقاومة والمواجهة والتحدي، ولو للحظات قليلة.
وما أثبتته خبرتنا أن الكوميديا ليست دائما وليدة الفرح، بل كثيرا ما تخرج من قلب المعاناة؛ فنحن حين نسخر من أوجاعنا أو ممن تسببوا في تعاستنا، نحاول استعادة شيء من توازننا النفسي، فتغدو ضحكتنا درعا يخفف من قسوة واقعنا، وتمنحنا قدرة أكبر على الاحتمال ومواصلة الحياة.
ومن هذا المنطلق ظهر ما يُعرف اليوم بالنكتة السياسية والاجتماعية، والنكات الشعبية، ورسوم الكاريكاتير، والمسرح الساخر، والعروض الكوميدية، والأعمال الأدبية والسينمائية الفكاهية. ولم تكن هذه الوسائل بعيدة عن قضايانا وهمومنا، بل سعت إلى كشف الظلم وفضح الحروب والاستبداد وقمع الحريات بأسلوب مختلف، يعتمد على النقد اللاذع المبطّن بابتسامة، مما يجعلها أكثر قدرة على الوصول إلينا والتأثير فينا.
والسخرية تمتلك قدرة فريدة على إيصال رسائلنا الثقيلة بطريقة أخف وقعا وأكثر انتشارا؛ فهي لا تكتفي بتخفيف توترنا في الأزمات، بل تسهم أيضا في جذب انتباه العالم إلى قضايانا المنسية، عبر تحويل مآسينا إلى صور ساخرة تثير التفكير فيها بقدر ما تثير الضحك.
ومع التطور التقني، أصبحت الكوميديا الساخرة أكثر سرعة وتأثيرا عبر منصات التواصل الاجتماعي، خاصة مع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تنتج مقاطع قصيرة تسخر من الأحداث السياسية والمحلية والدولية بطريقة مبتكرة، وتمزج بين الصور والموسيقى والشخصيات لتقدم نقدا سياسيا ساخرا بلغة بسيطة وسريعة الانتشار، مما يضاعف تأثيرها ووصولها إلى ملايين المستخدمين حول العالم.
وقد تحولت هذه المواد الساخرة إلى متنفس لشعوب العالم التي أنهكتها أخبار الحروب والانهيارات الاقتصادية والصراعات الدولية، وأصبح كثير من أبنائنا يلجؤون مثلهم إلى هذا النوع من السخرية هربا من سيل الأخبار الثقيلة، ومحاولة للبحث عن لحظة تخفف عنهم شعورهم بالعجز أمام عالم مضطرب تحكمه المصالح والقوة أكثر مما تحكمه العدالة.
كما أصبحت السخرية الرقمية وسيلة يستخدمها بعض المعارضين الحاقدين في الخارج، والمستائين، والمندسين بيننا في الداخل، للنيل من سياساتنا الداخلية وربطها بالسياسات الدولية، والحروب بالوكالة، والصراعات الاقتصادية، والتنافس بين القوى الكبرى في المنطقة، إضافة إلى قضايا الفقر والبطالة.
ويعرضون هذه القضايا المستفزة في مقاطع وصور ورسوم كاريكاتيرية تثير السخرية لدى المتلقين من أبنائنا، وتجعلهم يضحكون دون إدراك أبعادها وارتباطها بالتناقضات التي يعيشها العالم، وما قد يترتب عليها من انعكاسات بعيدة المدى على الوطن وعليهم.
فتتأثر بعض تصوراتهم تجاه مؤسساتنا، ويجدون في الكوميديا الساخرة مساحة للتنفيس، غير أن هذا التفاعل غير الواعي قد يقودهم إلى فهم غير دقيق لبعض قضايانا، مما يستدعي تعزيز وعيهم النقدي وتمكينهم من التمييز بين المحتوى الترفيهي والمحتوى التوجيهي قبل تبنيه أو إعادة نشره.
وتتحول من مجرد متنفس إلى شكل من أشكال الاحتجاج ولغة عالمية تؤكد لهم أن الإنسان، مهما أثقلته المآسي، قادر على مقاومة الواقع بابتسامة ساخرة، ولأن السخرية ترتبط بالوعي أكثر من الترفيه، ستبقى ملازمة لتحولاتهم الكبرى بوصفها مرآة تعكس قلقهم تجاه الواقع والمتغيرات.
وفي أوقات الحروب والانهيارات الاقتصادية والأزمات السياسية، يكثر استخدامهم للفن الساخر والنكات المبطنة بوصفها انعكاسا مباشرا لحالتهم الاجتماعية والاقتصادية، ويُعيدون صياغة خوفهم وغضبهم في شكل نكات ومشاهد كوميدية ورسوم كاريكاتيرية لاذعة، بما يساعدهم على احتمال واقعهم القاسي ولو لبعض الوقت.
وقد أدركت الأنظمة السياسية منذ زمن بعيد خطورة النكات والسخرية وتأثيرها، لذلك كانت الأعمال الساخرة عرضة للملاحقة والمنع والتضييق، فالسلطة تستطيع أحيانا مواجهة الخطابات المباشرة بالقوة أو الرقابة، لكنها تجد صعوبة في مواجهة نكتة تنتشر بسرعة وتتحول إلى أداة للتشويه والتشكيل والتشكيك وتضليل الرأي العام.
ولهذا السبب تلعب الكوميديا السياسية دورا مؤثرا في تشكيل وعيهم، لأنها تقترب منهم بلغة بسيطة وتؤثر في قناعاتهم بعيدا عن الخطب والخطابات الرسمية الجامدة.
ومن يتأمل تاريخ المسرح العربي والعالمي يلاحظ أن كثيرا من الأعمال الكوميدية الخالدة لم تكن للإضحاك فقط، بل حملت رسائل نقدية عميقة تتناول الظلم الاجتماعي والفقر والبطالة والاستغلال والحروب والفساد.
فالفنان الساخر لا يكتفي بالمشهد المضحك، وإنما يضعهم أمام مرآة تكشف تناقضاتهم مع واقعهم وتجعلهم يضحكون أحيانا على مأساتهم أو العبث المحيط بهم، وفي هذا العصر تضاعف تأثير الكوميديا الساخرة مع انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي التي ألغت الحواجز التقليدية بين أبنائنا وصناع المحتوى الساخر، مما جعلها أسرع انتشارا وأعمق تأثيرا.
ولم تعد السخرية محصورة في المسرح أو الصحف أو شاشات التلفزيون أو السينما، بل أصبحت تُنتَج يوميا من قِبل ملايين المستخدمين حول العالم، وتنتشر بينهم خلال دقائق معدودة عبر مقاطع قصيرة وصور وتعليقات ساخرة وبمختلف اللغات.
وقد أسهم الذكاء الاصطناعي في توسيع نطاق هذه الكوميديا السوداء بشكل غير مسبوق؛ بعدما باتت التطبيقات الحديثة قادرة على إنتاج مشاهد تُحاكي الشخصيات السياسية والعامة بأسلوب ساخر، مستخدمة تقنيات الصوت والصورة والتركيب الرقمي، الأمر الذي يجعلها أكثر انتشارا وتأثيرا ووصولا إلى أبنائنا.
وهذا التطور لم يغير فقط شكل الكوميديا، بل غير أيضا سرعتها وتأثيرها وانتشارها؛ حتى أصبحت الأحداث السياسية تتحول إلى مادة ساخرة فور وقوعها، وتنتشر بسرعة كبيرة عبر المنصات الرقمية، لتتحول إلى جزء من الحوار العام خلال وقت وجيز.
ولعل ما يميز هذا الجيل الجديد من الكوميديا الرقمية أنه لا يعتمد على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل ينطلق غالبا من أفراد عاديين يمتلكون هواتف ذكية وأفكارا مختلفة، ويستطيعون صناعة محتوى ساخر يصل إلى ملايين المشاهدات دون الحاجة إلى استوديوهات ضخمة أو ميزانيات هائلة.
مما يجعلها أكثر تنوعا وحرية وسرعة في الانتشار، وأكثر قربا من أبنائنا، وأكثر قدرة على التعبير عن مشاعرهم اليومية تجاه ما يحدث حولهم وفي بلادهم، وتشكل وعيهم وتعيد صياغة طريقة تلقيهم للأحداث.
كما أن هذا النوع من الكوميديا لم يعد يقتصر على النقد السياسي فقط، بل امتد إلى الأزمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار والبطالة والتفاوت الاجتماعي، وحتى تفاصيل حياتهم اليومية، ومن الطبيعي أن يحاول أبناؤنا بطبيعتهم البشرية التخفيف من قلقهم بالسخرية، لأنها تمنحهم شعورا بالتغلب على مشكلاتهم والتعايش معها دون انهيار نفسي.
غير أن اتساع مساحة السخرية الرقمية فتح بابا للنقاش حول الحدود الفاصلة بين النقد المشروع والتنمر والإساءة ونشر المعلومات المضللة، فبعض المحتويات الساخرة من أبنائنا تحولت إلى أدوات للتحريض والتشويه وبث الكراهية، لذلك نحن بحاجة إلى ضمير يوازن بين حرية التعبير واحترام الحقيقة، ويضع حدودا لاستخدام المحتوى الساخر بما يحافظ على أثره الإيجابي ويمنع الانزلاق إلى الإساءة والتضليل.
ومع ذلك، يبقى الجانب الأبرز في هذه الظاهرة هو قدرتهم على تحويل آلامهم إلى طاقة تعبير وإبداع؛ فالكوميديا التي تضحكهم على مآسيهم تحمل في داخلها قدرا كبيرا من الاحتجاج والرفض والرغبة في التغيير، وتكشف في الوقت نفسه عن قدرتهم على التكيّف مع واقعهم وصياغته بوعي وعمق دون أن يتأثروا بالمبالغات أو الطروحات غير الدقيقة.
وربما لهذا السبب ظلوا حتى في أحلك الظروف، قادرين على إنتاج النكات وتداول القصص الساخرة، ويتمسكون بالحياة رغم قسوة الأيام والسنين، فسخريتهم ليست هروبا من الواقع كما يتصور البعض، بل هي من أكثر الطرق شجاعة في مواجهته؛ تكشف هشاشتنا، وتسخر من غرورنا، وتمنحهم فرصة للتعبير عن غضبهم بطريقة تصل إلى الجميع، وتبرز قدرتهم على الإبداع والتفاؤل والسكينة والسلام.
ورغم الأثر الإيجابي للكوميديا في التعبير عن همومهم والتخفيف من ضغوطهم النفسية، فإن هذا الفضاء المفتوح يشهد أحيانا استخداما غير مسؤول لها، حيث تحولت بعض نكات أبنائنا المتداولة عبر المنصات الرقمية إلى أدوات لنشر معلومات غير دقيقة، مما انعكس سلبا على صورتنا أمام المجتمع الدولي، وأسهم في تكوين انطباعات سيئة عنهم وعنا وعن مجتمعنا وثقافتنا.
فالمحتوى الساخر حين ينتزع من سياقه أو يُستخدم بصورة موجهة، يفقد طابعه الفني ويتحول إلى مادة تساء قراءتها وتفسيرها مما يفتح المجال أمام سوء الفهم وتكوين تصورات بعيدة عن الحقيقة.
ونحن في المملكة لسنا بمنأى عن هذا الواقع، حيث تنتشر عبر بعض المنصات الرقمية محتويات ساخرة من أبنائنا يتم تداولها بشكل غير واع، وتستخدم للإساءة والتشويش وتقديم صورة غير منصفة عن مجتمعنا ومؤسساتنا وولاة أمرنا، وهو ما يتعارض مع قيمنا الوطنية القائمة على احترام الوطن والحفاظ على أمنه ووحدته وصورته ومكانته، وعدم استغلال وسائل التعبير للإضرار به أو بث الفرقة والتشويه.
خاصة في ظل ما تشهده المملكة من تحولات كبرى وإنجازات تنموية في مختلف المجالات، تستحق أن تنقل للعالم بموضوعية بعيدا عن السياقات الساخرة المضللة التي قد تعكس صورة غير دقيقة وتغفل حجم ما يتحقق من تقدم ونجاحات على أرض الواقع.
ومع تسارع الانتشار الرقمي واعتماد المنصات على التفاعل اللحظي، أصبحت المقاطع الساخرة تنتشر بسرعة تفوق القدرة على التحقق من صحتها، خاصة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التي جعلت إنتاج الصور والأصوات والمشاهد المركبة أكثر سهولة وواقعية وسرعة.
وهذا ما يفتح الباب أمام التلاعب بالمحتوى أو صناعة مواد تبدو حقيقية وهي في الأصل مفبركة؛ الأمر الذي يخلق حالة من التشويش لدى الرأي العام ولدى أبنائنا، ويؤثر على الثقة بالمصادر الإعلامية، ويزيد من حدة سوء الفهم والانقسام في المجتمع، ويضعف الثقة بمؤسساتنا الرسمية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ترسيخ الوعي الإعلامي لدى أبنائنا منذ الصغر في مدارسهم، وتمكينهم من أدوات التحقق من المعلومات قبل تداولها أو إعادة نشرها، وأهمية تطوير أطر تنظيمية وأخلاقية جديدة بعد استطلاع آرائهم لا تستهدف حرية التعبير أو الإبداع الساخر المقبول بقدر ما تركز على الحد من التضليل والإساءة وتوظيف المحتوى بشكل مسؤول.
لنسهم معهم في بناء جيل أكثر قدرة على التمييز بين الإساءة للوطن عمدا أو بغير قصد، وبين الحقيقة والتضليل في فضائهم الافتراضي، بما يعزز المسؤولية الوطنية في الاستخدام الرقمي، وينمي قدرتهم على الدفاع عن وطنهم إعلاميا إذا رأوا من يسيء إليه.
ويمكن لمؤسساتنا الإعلامية والتعليمية والثقافية أن تلعب دورا محوريا في نشر ثقافة التمييز بين النقد المشروع والمحتوى الساخر المضلل والمسيء، إضافة إلى تعزيز الشفافية في الخطاب العام.
كما يمكنها تشجيع منصاتنا الرقمية على وضع سياسات واضحة تجاه المحتوى المفبرك والمسيء والمقبول، والحد من انتشار المحتوى المضلل، بما يسهم في حمايتهم والحفاظ على جودة محتواهم الذي يتداولونه علنا وسرا.
وبذلك يمكن الحفاظ على جوهر السخرية كأداة إنسانية بناءة تمارس علنا في مختلف أنحاء العالم، وليست أمرا سلبيا إذا التزمت حدود الأدب وعدم الإساءة أو التحريض، مع الحد من آثارها السلبية عند استخدامها من أبنائنا خارج سياقها الأخلاقي والمعرفي إذا استخدمت بالخطأ.
وننظم بذلك المحتوى الرقمي الساخر بحكمة، ونحمي مجتمعنا وأبناءنا من الاستخدام الخاطئ، مع عدم إلغاء السخرية كأداة تعبير يحتاجون إليها، بل نضبط استخدامها لتبقى إيجابية ومفيدة وقوة ناعمة تستخدم في الدفاع عن الوطن، بدل أن تتحول في أيديهم إلى أداة إساءة وتضليل، ونكون نحن بإهمالنا تنظيم هذا الجانب السبب.
ونحقق التوازن بين حرية التعبير التي ينادون بها والمسؤولية المجتمعية، ونعزز وعيهم النقدي في التعامل مع المحتوى الرقمي، ونسهم في بناء جيل أكثر اتزانا ونضجا يعرف كيف ومتى يدافع عن الوطن.
ويحقق الاعتدال والاستقرار والانسجام والوسطية وحرية التعبير بما يحفظ مصالحنا الوطنية ويعكس قيم مجتمعنا، ويسهم في تقديم صورة منصفة ومشرفة عن وطننا للعالم تقوم على حرية التفكير والتعبير والطرح المسؤول، بعيدا عن التصورات غير الدقيقة والأحكام المسبقة، وينقل صورته الحقيقية لشعوب العالم التي ترى كذبا أنهم مغلوبون على أمرهم ويعيشون في دولة بوليسية.
كاتب رأي


