كُتاب الرأي

من يربح حين نصمت؟

    من يربح حين نصمت؟ 

محمد الفريدي

ليست المشكلة في اختلافاتنا، ولا في تنوّعنا، ولا حتى في صراعات آرائنا التي تتكرر كل يوم؛ المشكلة أننا أصبحنا عناصر ثانوية في معارك شعاراتنا المختلفة، وتحولنا إلى أرقام، وعناوين مذهبية، ووسائل أخرى لتصفية حسابات لا علاقة لنا بها.

نحن اليوم، كمجتمع، أمام اختبار أخلاقي لا يُقاس بالأقوال، ولا بالمنابر، ولا بالمحاضرات، بل بكيفية تعاملنا مع أضعف شخص بيننا؛ لأن معايير قوة أي مجتمع لا تُقاس بطريقة دفاعه عن المتفق عليه، بل بطريقة حمايته لمن يختلف عنه.

وهناك فكرة تتسلل بهدوء بيننا: أن بعض مواضيعنا يمكن تأجيلها أو تجزئتها أو ترتيبها وفقا للتوجه العام، فيُقال لنا مثلا: (الوقت غير مناسب للحديث عن هذه المواضيع)، أو (هناك مواضيع أكبر وأهم)، أو (الظروف لا تسمح الآن).

حين يظلم شخص ما، لا يهمنا اسمه ولا خلفيته ولا انتماؤه ولا قبيلته ولا معتقده، بل يهمنا المبدأ: هل نقبل الظلم إذا لم يمسّنا مباشرة، وهل نصمت لأن الضحية لا تشبهنا في المعتقد أو الجنس أو الشكل، وهل نقنع أنفسنا أن القضية أعقد من أن نتعاطف معها؟

المجتمع الذي يبرر ظلم فرد ما لأنه مختلف، يفتح الباب لظلم الجميع؛ لأن الظلم لا يعرف حدودا، وإذا شرعن من قبل المجتمع مرة واحدة، فإنه سيبحث دائما عن ضحية أخرى في كل مرة.

العدالة ليست في محاكمنا فقط، وليست في شعاراتنا التي نرفعها، بل هي أيضا في مواقفنا الثابتة، حين نختبرُ ويُختبرُ جميعُ أفراد مجتمعنا في اللحظات التي يكون فيها دفاعنا عن حقوق الآخرين مكلفا جدا.

سهل أن ندافع عمّن يشبهنا، لكن يبقى الأصعب والأصدق أن ندافع عن مبادئ عادلة، حتى لو استفاد منها من لا نحبه أو لا نتفق معه.

نحن، كمجتمع، بحاجة إلى إعادة ترتيب بوصلتنا الأخلاقية؛ فليس المطلوب أن نتفق على كل شيء، بل أن نتفق على قاعدة واحدة: كرامة أي إنسان يعيش بيننا غير قابلة للمساومة.

ولا يجوز أن نبرّر ظلمه أو نقيد حريته خارج إطار القانون، ولا أن نبرّر التحريض عليه على أساس المعتقد أو الجنس أو اللون أو الهوية، تحت أي ذريعة كانت.

ومن أكثر وسائل التأثير الفكري التي تستحق التوقف عندها أن يُقال لنا: (لا تطالب بحق هذا الشخص، لأن هناك آخرين أولى منه)، فهذه العبارة قد تبدو منطقية في ظاهرها، لكنها قد تقود إلى تصور غير دقيق؛ لأن الحقوق لا ينبغي أن تُعامل بوصفها ميدان تنافس، ولا كأنها مزاد علني.

والدفاع عن حقّ شخص ما لا ينتقص من حقّ غيره، بل يعزّزه، وكل حقّ ينتزع اليوم من فرد واحد قد ينتزع غدا منك.

المشكلة أننا اعتدنا التفكير كمجتمع قبل أن نفكر كأفراد؛ نتحمس لهويتنا، ولقبيلتنا الفكرية، ولمذهبنا، ولتياراتنا المختلفة، لكننا نتردد عندما يُطلب منا أن نرى الإنسان مجردا من كل ذلك.

الاستقلالية ليست أنانية، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه أي عدالة حقيقية؛ فعندما نحترم الإنسان بوصفه فردا مستقلا، نمنع تحويله إلى وقود لمعركة لا تخصّه في المستقبل.

كثيرون منا يتحدثون عن الوطنية، لكن الوطنية عندي ليست تصفيقا دائما ولا صمتا دائما، بل هي مسؤولية أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع وطننا على الدوام، وأن نرفض الظلم حتى وإن صدر ممن نحب، وأن نتمسك بالقانون حين يكون عادلا، ونطالب بتحسينه إذا كان يحتاج إلى تحسين.

لا يمكن لأي شعب أن يتقدّم إذا كان الخوف هو لغته غير المعلنة؛ فالخوف يخلق صمتا، والصمت يخلق تراكما، وهذا التراكم يتحوّل إلى كتلة ضخمة من المشاعر السلبية قد تنفجر في وجوهنا في أي لحظة لا يتوقعها أحد.

أما الثقة فتُبنى حين يشعر المواطن أن صوته لا يعرّضه للخطر، وأن اختلافه لا يجعله هدفا للمجتمع، بل يجعله جزءا طبيعيا من نسيجه، وشريكا في بنائه وصناعة مستقبله.

وإن حماية المرأة من أي اعتداء لا علاقة له بالخلفيات والانتماءات الضيقة، وإن رفض التمييز ليس موقفا أخلاقيا فحسب، بل هو موقفٌ إنساني ووطني قبل كل شيء.

الخطير في أي مجتمع ليس وجود أخطاء فيه، بل وجود قابلية لتبريرها؛ فعندما نبدأ بتبرير الأخطاء بدل رفضها نكون قد خطونا أول خطوة نحو اعتياد الظلم، والظلم المعتاد أخطر من الظلم الطارئ، لأنه يتحوّل مع مرور الزمن إلى ثقافة يصعب التخلّص منها بسهولة.

ولدينا فرصة عظيمة الآن أن نختار طريقا مختلفا؛ أن نرسّخ في عقول أبنائنا فكرة أن القانون فوق الجميع، وأن الحقوق ليست هدية تُمنح، وأن الكرامة ليست امتيازا لبعضنا دون سوانا، وأن نعلّمهم منذ الصغر أن احترام الإنسان أيا كان جزءٌ لا يتجزأ من قيمنا ومبادئ وطننا العليا.

وأن العدالة ليست انتقاما من أحد، بل توازنا يُعيد الحقوق إلى أصحابها، ويصون مجتمعنا من الانزلاق نحو الفوضى التي نراها اليوم في دول عربية كثيرة من حولنا.

ليس المطلوب مثالية مستحيلة، بل وضوح أخلاقي؛ أن نعرف أين نقف كمجتمع سعودي حين ينتهك حق الضعيف، وألّا نبحث عن هوية الضحية قبل أن نقرر موقفنا، وألّا نزن تعاطفنا بميزان الانتماء، وأن يكون معيارنا الأول هو الحق والعدل، لا القرب ولا البعد، ولا الاتفاق ولا الاختلاف.

إذا فقد مجتمعُنا حساسيته تجاه ظلم أي فرد منا أو يعيش بيننا، فإنه يفقد شيئا أعظم من التعاطف: يفقد إنسانيته، التي لا تعوّضها أي إنجازات مادية، ولا أي شعارات أخرى.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس: من على حقّ في هذا الجدل أو ذاك؟ السؤال المهم هو: هل ما زلنا نؤمن بأن الإنسان قيمةٌ قائمةٌ بذاتها أم لا؟

إذا كانت الإجابة بنعم، فكل شيء بعد ذلك هيّن، أمّا إذا كانت الإجابة مشروطة، فالمشكلة أكبر مما نتصوّر.

مستقبلُنا لا يُبنى بالكراهية، ولا بالانتقام، ولا بتقسيمنا إلى كتل متقابلة، بل يُبنى حين نختار، بوعي كامل، وطنَنا، وأن نكون منحازين له وللعدل، حتى عندما لا يكون في صالحنا أو عندما لا يكون سهلا علينا.

وأن نؤمن أن قوة مجتمعنا ليست في قدرة بعضه على إقصاء بعضه الآخر، بل في قدرته على احتواء اختلافه دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية، وأن نعتبر الإنسان في وطننا قيمة مستقلة بذاتها قبل أن يكون انتماء أو هوية أو تصنيفا أو موقفا فكريا؛ وهذا هو مجتمعُنا المتماسك الذي نعرفه قبل أن تُشوِّهه تصرفاتُنا الخاطئة.

وإن لم نضع في اعتباراتنا الإنسان أولا وقبل كل شيء، فكل ما نبنيه بعد ذلك سيكون هشّا مهما بدا صلبا من الخارج؛ ويمكن أن نشيّد الطرق والمدن ونكتب الخطط بعناوين براقة.

ولكن ما دام هناك إنسانٌ واحد يشعر بأن إنسانيته قد تكون محل انتقاص أو تشكيك، وأن صوته قد لا يُسمع، وأن معتقده وفكره وهويته قد تُستغل ضده في أي وقت، فهناك خللٌ جوهري لا تُخفيه الإنجازات، مهما بدت صورتُنا الخارجية مختلفة.

دعونا نكون أكثر صراحة: لا يوجد مبرّر لإهانة أي إنسان؛ لا (مصالح)، ولا (ظروف)، ولا أي (حالات معقدة). الكرامة ليست بندا يعلق عند الطوارئ، والعدالة ليست خيارا يمكن الأخذ به أو تركه، بل هي التزام ديني ووطني، وإذا بدأنا بقبول الاستثناءات فسننتهي بقواعد دينية ووطنية مشوّهة.

أخطر ما يمكن أن يحدث لنا كمجتمع هو أن نعتاد على الظلم والقسوة، وأن نمرّ أمام انتهاك واضح لأحدنا وكأننا لم نره، وأن نسمع تحريضا على فئة ما فنبرّره بين بعضنا البعض خلف أبوابنا المغلقة، وأن نرى ظلما واضحا فنبحث عن تفسير له يرضي ضمائرنا بدلا من أن نرفضه بوضوح.

وهذا التبلّد هو بداية انحدارنا، وانكسار معايير الحقّ في داخلنا، حتى نفقد قدرتنا على التمييز بين ما يجب أن يُدان وما يجب أن يُصان، فنصبح أسرى عاداتنا المتبلّدة بدل أن نكون حماة الوطن والوعي والعدل.

ولنضع الأمر في صورة أقرب: حين نرى شخصا يتعرّض للإساءة في مكان عام، أو يسلب حقّه بوضوح أمام أعيننا، ثم نختار أن نمرّ بجواره بصمت لأن الأمر (لا يعنينا)، فإننا لا نتجنب المشكلة، بل نُرسّخ الظلم.

ففي تلك اللحظة لا يكون الظلم مجرد ظلم تعرّض له فرد، بل يتحوّل إلى سلوك مقبول ضمنيا في مجتمعنا، ويصبح صمتنا شريكا فيه لا مجرد موقف محايد، وبداية تطبيعه وانتشاره بيننا.

ولنبتعد قليلا عن التنظير: تخيّل معي موظفا بسيطا يفصل من عمله بقرار تعسّفي، لا لخطأ ارتكبه، بل لأنه عبّر عن رأيه في مديره وإدارته السيئة للعمل، فلم يعجبهم رأيه، والتزم الجميع بالصمت بحجة أن (الوقت غير مناسب)، أو أن (القضية لا تخصّنا)، أو أن (المدير واصل)، أو (ما لنا ولهذا المتهوّر).

في تلك اللحظة، لم يكن الضرر واقعا عليه وحده، بل على فكرة الإنصاف نفسها؛ لأن الصمت هنا لم يكن حيادا، بل موافقة غير معلنة على الظلم، وتمهيدا لتكراره مع غيره، وربما مع من صمتوا عنه يوما ما أيضا.

المجتمع القوي لا ينزعج من حفظ حقوق أفراده ولا من وجود اختلاف في وجهات النظر، ويدرك أن ذلك يعزز تماسكه، ولا يفقد توازنه بسبب النقد البنّاء، ويزداد قوة بالحوار المسؤول، كما لا يرى في المناشدات بالإنصاف تهديدا له، وإنما يعدّها دعما لاستقراره وترسيخا للثقة فيه.

ولنعلم أن من يقف ضد حقّ فرد بحجة أن هناك (من هو أهم) فإنه يضع الأساس لانتقائية خطيرة، ومن يبرّر الظلم لأنه طال خصما له فإنه يمنح الشرعية لظلم قد يطاله لاحقا، ولا أحد منا في مأمن داخل أي نسيج يسمح بالاستثناءات.

إمّا أن نكون واضحين في انحيازنا للعدل والإنصاف والوطن دون شروط أو قيود، أو نبقى ندور في دائرة التبرير التي لا تنتهي؛ فنفقد مع كل تبرير جديد شيئا من إنسانيتنا وقدرتنا على التمييز، حتى يصبح صمتنا عند الظلم عادة، والتغاضي عن الأخطاء سلوكا مألوفا.

وسيظل السؤال معلقا: هل كنا شجعانا بما يكفي لنقول (هذا خطأ) حين كان الصمت أسهل وأكثر أمانا للجميع؟

أم أننا آثرنا السلامة على الصدق، وتركنا قيمنا تتآكل حتى فقدنا القدرة على التمييز بين ما هو صواب وما هو خطأ، وأصبحنا نبرّر ما كنّا نرفضه ونقبله، حتى صار ما كان مرفوضا يوما جزءا من واقعنا اليوم؟

لن يبقى لنا ولمجتمعنا إلا ما اخترناه اليوم: إما أن نصون وطننا ونحفظ الإنسان فيه كقيمة لا تُمس، أو نتركه يتآكل تحت تبريرات متتابعة لا تنتهي، كما كنا نفعل من قبل، فنصحو يوما على واقع لا يشبه ما أردناه ولا يشبهنا.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

‫2 تعليقات

  1. مقال مهم وفيه ملاحظات مهمه كي لا يتحول الظلم الي سلوك مقبول بالمجتمع، كوننا مجتمع إسلامي يرفض الظلم ويعود الي الشرع لآلية التنفيذ ولكن ابداء الرأي في الوقت المناسب أمر أساسي لضبط الانفعالات و درء الانفلاتات

    1. كاتبنا المبدع المهندس علي الماجد حفظه الله .
      كلامك مهم ويضع اليد على الجوهر؛ فرفض الظلم أصلٌ ثابت في المجتمع المسلم، والاحتكام إلى الشرع في آليات التنفيذ هو الضامن للعدل واستقرار الأحكام.

      وفي الوقت نفسه، إبداء الرأي يُعد عنصرا أساسيا في تهذيب النقاش العام وضبط الانفعالات.

      وبين هذين الحدّين تتشكل الموازنة الدقيقة: حماية هيبة العدالة من جهة، وحماية المجتمع من الانفلات من جهة أخرى، وهو ما أشرتَ إليه بدقة في ملاحظتك.
      أبو سلطان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى