الطرف الاضعف منا متهم
الطرف الاضعف منا متهم
محمد الفريدي
حين نتأمل الأساطير اليونانية بما تحمله من صور تتنافى مع المنطق والعقل والقوانين الكونية، ندرك أننا أمام مرويات وُلدت من خيال خصب أكثر مما استندت إلى حقائق قابلة للتصديق.
فهي تعكس مخاوف الشعب اليوناني وتصوراته البدائية عن العالم، وتكشف عن محاولته تفسير ما عجز عن فهمه بلغة الرموز التي لا تدخل العقل.
ومن بين تلك المرويات تبرز (أسطورة ميدوسا) بوصفها مثالا على التداخل بين الرموز والخوف والتصورات التي لا تجد لها مكانا في عالمنا الحالي.
تقول الأسطورة إن (ميدوسا) لم تولد وحشا، بل كانت امرأة فائقة الجمال، غير أن اعتداء وقع عليها داخل معبد مقدّس، وبدلا من أن يُحاسَب المعتدي، انقلبت العقوبة عليها هي؛ فتحوّل شعرها إلى أفاعي حيّة، وصارت نظراتها تحوّل كل من ينظر إليها إلى تمثال من حجر.
لم تُمنح فرصة للشكوى، ولم تُنصف، ولم تستطع أن تعبّر حتى عن غضبها المشروع، فانتقلت من كونها ضحية إلى رمز للرعب، ومن إنسانة ظُلمت إلى كائن يُطارَد ويُقتل.
والعقدة الحقيقية في الأسطورة: ليس تحوّلها من ضحية إلى وحش، بل كيف أعاد اليونانيون تعريفها بعد الجريمة، فلم يطرحوا السؤال: ماذا حدث لها؟ بل فرضوا سؤالا آخر: ماذا نفعل بها؟
وبدلا من أن يُدان الفاعل، أُدينت هي، وبدلا من أن يُحاسَب المعتدي، حُمِّلت وزر الجريمة كاملة، وأُعيدت كتابة حكايتها لا بوصفها واقعة ظلم وقعت عليها، بل بوصفها ذريعة لتغطية جريمة طُمست معها حقيقة الجاني، وتقدّم فيها الباطل على الحق.
ميدوسا لم تمنح حق الرد، ولم يتح لها أن تكون إنسانة جُرحت، بل أُعيد تشكيلها ككيان يُخاف منه، وكل من تحجّر أمامها لم يكن في الحقيقة ضحية لها، بل ضحية رواية صاغت الخوف منها، وطمست أصل حكايتها التي بدأت باعتداء عليها لم يُحاسَب عليه المعتدي.
كانت ضحية مجتمعٍ صنعها ثم قرّر التخلّص منها، في آلية يونانية قديمة معروفة بقدم التاريخ، يتحوّل فيها الضحايا إلى أخطار عامة لتبرير إقصائهم.
والتحوّل في الأسطورة هنا ليس تحوّلا سحريا فقط، بل نفسيا أيضا؛ فنظرتها التي تحوّل الأشخاص إلى حجارة ليست سوى انعكاس لقسوة تراكمت داخلها. فحين يُسلب الصوت طويلا يتحوّل الصمت إلى صلابة وقوة، وحين يُقمع الألم يتحوّل إلى غضب وعنف، والعنف هنا ليس بداية الحكاية بل نتيجته الأخيرة.
هذه الحكاية ليست بعيدة عنا؛ ففي واقعنا اليوم تتكرّر الحكاية نفسها، ولكن بأشكال مختلفة: فهل نملك الشجاعة لنقف مع الضحية حين لا تشبهنا ولا تُشبه توقّعاتنا، أم أننا نبحث أولا عن ثغرة في سيرتها لنبرّئ ضميرنا من التعاطف معها؟
كم مرّة أعدنا تعريف امرأة بعد حادثة لا يد لها فيها، وسألنا عن ملابسها قبل أن نسأل عن الجاني، وفحصنا سيرتها قبل أن نفحص الفعل المرتكبَ بحقّها؟
الأسطورة اليونانية، رغم أنها خيالية وغير واقعية، إلا أنها تكشف لنا آلية اجتماعية خطيرة نتبعها؛ فحين يحدث انتهاكٌ لامرأة ما عندنا، يصبح همّنا الأول حماية صورتنا ومجتمعنا لا حماية حقوقها كضحية.
فنختزل نقاشاتنا حولها في (السمعة) و(الانضباط) و(الاستقرار)، ونُهمِّش جوهر قضيتها، ونغضّ الطرف عن الجاني، ونُحمِّلها مسؤولية ما حدث لها.
وكأن الإنصاف عندنا مجرد شعار نستدعيه عند الحاجة ونُغيّبه عند الاختبار، ونترك جوهر القضية دون مواجهة، ونُفتّش في تفاصيل الضحية ونرسّخ الظلم كلما قدّمنا صورتنا على الحقيقة.
ونحوّل القضية من فعل مُجرَّم إلى جدل أخلاقي حول سلوكها، ونُعيد إنتاج (ميدوسا)، ونعاقب الضحية مرّتين: مرة بالفعل الذي وقع عليها، ومرة بالوصم بالعار.
تحوّلاتنا الاجتماعية اليوم عميقة جدا وسريعة، ونحن أمام مفترق طرق: فإمّا أن نرسّخ مبدأ أن المسؤولية فردية لا جماعية، وأن الجريمة جريمةٌ مهما كانت خلفية الضحية، أو أن نسمح لثقافة التبرير القديمة بأن تستمرّ تحت عناوين مختلفة.
ولا يمكن لمجتمع يسعى إلى النضج أن يقبل بتحميلها الذنب لأنها تنتمي إلى فئة جرت العادة على مراقبتها والتشكيك فيها أكثر من غيرها؛ لأن ذلك لا يُشرعن الظلم فحسب، بل يُعيد إنتاجه، ويُحوِّل الإخلال بالإنصاف إلى قاعدة مقبولة تحت ضغط العرف.
فنُقدِّم الأحكامَ المسبقة كمجتمع على الوقائع، ونستبدل التحقيق العادل بالتأويل الاجتماعي الذي كثيرا ما يُبرِّئ الفعل ويُدين صاحبه الأضعف.
ميدوسا تحجّر كل من كان ينظر إليها، ولكن لماذا كان النظر إليها قاتلا؟ لأن مواجهتها، في اعتقادي، تعني مواجهة الظلم الذي وقع عليها، ومن يحدّق في عينيها يواجه سؤالا لا يريد الإجابة عنه: من صنع هذا الوحش؟
وحين يتحوّل هذا السؤال إلى مأزق أخلاقي، يصبح الهروب منه أسهل من مواجهته؛ فنكتفي بإدانة النتيجة بدل تفكيك الأسباب، ونحوّل الضحية إلى رمز للخوف بدل أن نفهم كيف صُنعت، وبذلك لا ننهي المشكلة، بل نُبقيها حيّةً تتكرّر كلما تجاهلنا الأسباب واكتفينا بالنتائج.
في واقعنا، حين نواجه امرأة غاضبة، أو صوتا مرتفعا، أو مطالبةً حادّة بالحق، نسارع إلى وصفها بالمبالغة أو التمرّد أو تهديد سمعة المجتمع، وقليلٌ منّا من يسأل: ماذا حدث لها قبل أن تصل إلى هذه المرحلة؟ ومن المسؤول عن ذلك؟
المجتمع الذي يخاف من غضب ضحاياه هو مجتمعٌ ما زال لا يمنحهم ما يستحقون من الإنصاف؛ فالغضب ليس عيبا حين يكون نتيجة ظلم حقيقي، بل العيب أن نُصرّ على تأديب الضحية بدل إصلاح الخلل.
في الأسطورة كان الحل النهائي هو قطع رأس (ميدوسا) والتخلّص منها لإنهاء المشكلة، وهذا النمط من التخلّص يتكرّر رمزيا عندنا حين نحاول إسكات أصوات الضحايا بدل الاستماع إليها، ونفضّل إسكاتها قسرا على الحوار الصريح معها.
ونرى في مطالبتها بالعدل تهديدا لسمعتنا وصورتنا، لا فرصة للتقويم والتعديل والتصحيح، فنُسقط عليها خوفنا ونُلبسها صورة (ميدوسا)، ونخشى من صوتها ونهرب من مواجهتها لأننا ندرك أن في كلامها ما يكشف خللنا ويهدّد وجودنا، ونتحوّل إذا نظرت إلينا إلى تماثيل من حجارة.
فنختار إسكاتها بدل الاستماع إليها، ونستقبلها بعدم تصديق شكواها لنحمي أنفسنا، بينما نحن في الحقيقة نُعمّق أزمتها ونُعيد إنتاجها في صورة أشدّ قسوة.
نحن اليوم لسنا كما كنا بالأمس؛ مساحاتُ نقاشاتنا اتسعت، ووعينا تغيّر، ونساؤنا أصبحن أكثر حضورا في الفضاء الرقمي، والتغيير القانوني أو المؤسسي لا يكفي إذا لم يصاحبه تغيّر في عقولنا.
وأساطيرنا، للأسف، لا تموت بسهولة؛ فهي ما زالت حاضرة في عاداتنا وأحكامنا المسبقة، وفي نكاتنا التي نرددها وتعليقاتنا السريعة، وتعيد تشكيل نفسها بأشكال حديثة كلما أهملناها، وتستمر في توجيه نظرتنا إلى الآخر دون أن نشعر.
حين نتداول قصة اعتداء، ونبدأ بتحليل سلوك الضحية بدل إدانة الجاني، فإننا نعيد كتابة أسطورة ميدوسا؛ وحين نطالبها بالصمت (حفاظا على سمعة الأسرة أو القبيلة) أو (تجنّبا للفضيحة)، فنحن نصنع من صمتها حجرا، ومن ألمها تمثالا صامتا لا يُؤرّق أحدا سواها.
ولا يعود الخطر في الاعتداء نفسه، بل في كشفه، فتخسر إنصافنا مرتين: مرة حين يقع الظلم عليها، ومرة حين نُجبرها على الصمت.
أسطورة ميدوسا تعلّمنا درسا مهما: وحوشنا لا تولد فجأة، بل تُصنع حين نكبت أصوات ضحايانا ونُعيد تعريفها وفقا لخطأ لم ترتكبه، فإذا لم نتعلّم منها اليوم سنظل ندور في الدائرة نفسها: نصنع الضحية ونخاف منها، ثم نُقصيها أو نقطع رأسها كما حدث مع ميدوسا في النهاية.
ففي واقعنا اليوم، المعركة ليست بين رجل وامرأة، ولا بين شعب وقيادة، ولا بين جيل وآخر، بل بين ثقافتين: ثقافةٌ تُحمّل الفرد مسؤولية أفعاله، وثقافةٌ توزع الذنب على الأضعف؛ فالأولى تبني مجتمعا واثقا، والثانية تبني مجتمعا هشّا يخاف من مواجهة أخطائه وظلّه.
وهنّ لسنا بحاجة إلى تعاطف مؤقّت منّا، بل إلى موقف واضح وصريح: أي اعتداء عليها هو جريمةٌ كاملةٌ لا تُخفّفها الملابسات الاجتماعية الأخرى أبدا.
وأي محاولة لتحويل الضحية إلى موضع شكّ هي امتدادٌ للعنف الذي مُورس عليها ذاته، ولا يمكن أن نعلن التزامنا بكرامة الإنسان ثم نضع نجمة صغيرة تقول بين قوسين: (إلّا إذا…).
ميدوسا لم تكن وحشا قبل ذلك، كانت إنسانة طبيعيّة لم تُنصف، وفي كل مرة نختار فيها قلب صورة معتدى عليها لحجب الحقيقة نُنتج نسخة جديدة من ميدوسا، والفرق الوحيد بينها وبيننا أنها في الأسطورة اليونانية تنتهي بقطع رأسها، أمّا في واقعنا فالنهايات أكثر تعقيدا وأشدّ ألما.
المسألة ليست دفاعا عن فئة بعينها، بل دفاعٌ عن مبدأ؛ فإذا لم يكن المبدأ واضحا، سيتحوّل كل نقاش في مجتمعنا إلى ساحة مساومة، وإذا كانت الكرامة قابلة للتأويل والطمس والتبديل فلن يبقى شيءٌ ثابتٌ بعد ذلك لنا.
والخوف الحقيقي ليس من تكرار مأساة ميدوسا، بل من اللحظة التي نبرّر فيها ما حدث لها؛ فهذه هي اللحظة المفصلية التي يجب أن نخشاها في واقعنا كمجتمع، لأنها اللحظة التي نصبح فيها شركاء في صناعة الوحوش ثم نتظاهر بأننا من ضحاياها.
ولنكن أكثر وضوحا في الطرح: المشكلة ليست في الجريمة وحدها، بل في استعدادنا الدائم لإدانة الضحية بدل إدانة الجاني وجريمته، وهذه ليست هفوة اجتماعية طارئة، بل خللٌ كبيرٌ وإرثٌ غير أخلاقي قديم نتوارثه جيلا بعد جيل.
فحين يُعتدى على امرأة ما، ثم يتحوّل نقاشُنا إلى تحليل شخصيتها واختياراتها وطريقة حديثها وعلاقاتها وملابسها، فنحن لا نبحث عن الحقيقة، بل نبحث عن مخرج مناسب لنا يُبقينا في المنطقة الآمنة فقط.
المنطقة الآمنة تعني أن نُقنع أنفسنا بأن ما حدث لميدوسا لن يحدث معنا، لأننا (الأفضل)، و(الأحذر)، و(الأكثر التزاما)، وهذا وهمٌ خطيرٌ برأيي؛ لأن المجتمع لا يطلب سيرة ذاتية، ولا يُفرّق بين مثالية وأخرى.
وحين نحول الضحية، كمجتمع، إلى درس للتشريح الأخلاقي أمام الآخرين، فإننا نُشرعن الجريمة دون أن نشعر.
ونحن في بلادنا نرفع شعارات التمكين والإنصاف والإنصات والانفتاح، ولكن لا يكفي أن نحتفي بالإنجازات فقط، وعلينا، كمجتمع، ألّا نبرّئ المعتدي ونُلقي اللوم عليها وعلى ملابسها؛ لأن صدق هذه الشعارات لا يُقاس بترديدها وتكرارها والتفاخر بها، بل بقدرتنا على رفض ما يناقضها والالتزام بالمبدأ.
فالتمكين لا يُقاس بعدد مناصبها، بل بقدرتها على الإبلاغ دون خوف إذا تعرضت لجريمة ما، وبثقة وإنصاف أسرتها وقبيلتها ومجتمعها في تصديقها والوقوف معها لا في تكذيبها أو التشكيك بها، والإنصاف لا يُختبر في القضايا السهلة، بل في القضايا التي تضعنا أمام تناقضاتنا.
والتبرير يخلق بيئة آمنة للمعتدي، ويرسل رسالة مخيفة لها بأن صوتها لن يُحمى ولن يُسمع، وهي رسالةٌ أخطر من الجريمة نفسها، لأنها تُعمّم الإحساس بالعجز بين أفراد ومكوّنات المجتمع.
وحين يتكرّر هذا النمط من التبرير، يتحوّل الصمت من خيار فردي إلى ثقافة عامة، وتضعف الثقة في المجتمع، ويطول عمر الظلم بدل أن ننهيه، ويصبح مواجهته فعلا نادرا بدل أن يكون موقفا طبيعيا وبديهيا.
فيختلُّ ميزانُنا بين ما يُدان في مجتمعنا وما نُخفيه تحت ضغط السمعة وما يُبرَّر، ويصبح سكوتُنا إن سكتنا وأجبرناها على السكوت شكلا من أشكال القبول غير المعلن.
ومعركتُنا الحقيقية ليست ضد شخص معين أو حادثة بعينها، بل ضد ذهنية تعتبر السمعة أهمّ من العدالة والإنصات والإنصاف وسلامة أفراد مجتمعنا، وهي الذهنية التي تصنع الوحوش ثم تتساءل بكثير من الاستغراب: من أين جاءت ونحن في مجتمع محافظ ومحترم؟
وأشد ما في الأمر أن استمرار هذا النمط من التفكير في مجتمعنا لا يهدد الضحايا وحدهن، بل يهدد ثقة مجتمعنا بنفسه، حتى يصبح عاجزا عن الاعتراف بأخطائه وغير قادر على تصحيحها، ويصمت عن الجرائم التي تقع على نسائنا بلا ذنب ارتكبنه، خوفا من الفضيحة، ونحمّلهن الخطأ بوصفهن الطرفَ الأضعف، ونُقيِّد أصواتهن بدلا من حمايتها، وبذلك لا نحمي المجتمع من الخطأ، بل نحمي الخطأ من أن يواجهه المجتمع.
كاتب رأي


