نصنع الكلمة والكلمة تصنعنا
نصنع الكلمة والكلمة تصنعنا
محمد الفريدي
الكلمة ليست وسيلة تعبير في يد كاتب الرأي فقط، بل هي أداة تأثير ومصدر تشكيل، وأحيانا شرارة تغيير. فنحن — ككتّاب رأي — لا نكتب في فراغ، ولا نخاطب ورقا صامتا ولا جدرانا إسمنتية. نحن نخاطب عقولا تتشكّل بآرائنا، ووجدانا يتفاعل بكلماتنا، وفضاء عاما يتماوج ويتحرك أمامنا، والكلمة التي نخطّها اليوم ستتحول غدا إلى قناعة، ثم إلى موقف، ثم إلى سلوك.
ولهذا لا يمكن أن نتعامل مع الكتابة بوصفها تمرينا بلاغيا أو استعراضا لغويا؛ فالمقال ليس نصا أدبيا يُقاس بجمال العبارة فقط، بل موقفا أخلاقيا يُقاس بمدى وعينا بأثره.
فالقارئ يخرج من مقالاتنا بانطباع، وهذا الانطباع — إن تكرّر وتراكم — يتحوّل إلى فكرة مستقرة، ثم إلى رأي، ثم إلى موقف ينعكس في قراراته اليومية أو في تعاطيه مع قضية عامة أو خاصة معيّنة.
كاتب الرأي ليس ناقلا للخبر ولا مفسّرا له، بل هو من يختار موضوع مقاله وزاويته، ويحدّد مفرداته، ويضع الإطار الذي يُقرأ من خلاله، وهنا تكمن قوته الحقيقية؛ إذ قد تُخفّف كلمةٌ واحدةٌ منه حدّة قضية ما، أو تُصعّدها، أو تُعيد تعريفها بالكامل.
وفي زمن السرعة الرقمية، تضاعفت هذه المسؤولية؛ فالمقال لم يعد ينتظر يوما كاملا ليصل إلى قارئه، بل ينتشر في دقائق، ويُقتبس، ويُعاد تدويره، ويُحوَّل إلى عناوين مختصرة تُختزل فيها فكرته في جملة واحدة.
لذلك فإن كل كلمة نكتبها يجب أن نتوقع اقتطاعها وإعادة تداولها، ولا يكفي أن تكون أفكارنا صحيحة في سياقها الكامل، بل يجب أن تكون منضبطة مع قيمنا وأخلاقنا حتى حين تُقرأ منفصلة.
نحن نصنع الإطار الذي يفهم الناس من خلاله القضايا؛ فحين نستخدم لغة مشحونة، فإننا نشحن المزاج العام، وحين نستخدم لغة هادئة، فإننا نفتح باب النقاش.
وهذا لا يعني أن نُجامل أو نُخفّف الحقائق، بل أن نعي أن حدّة العبارة قد تتحوّل إلى حدة في المواقف؛ فالرأي العام لا يتشكّل فقط من الوقائع، بل من طريقة تقديمنا لها أيضا.
كاتب الرأي يؤثر بطريقتين: بما يقوله، وبما يتجاهله؛ فاختيار الموضوع بحدّ ذاته موقف، وتسليط الضوء على قضية ما يعني منحها أولوية في ذهن القارئ، وتجاهلها يعني تركها في الهامش.
وحين تتكرر الأولويات عبر عدد من الكتّاب، تتكوّن خريطة اهتمامات عامة، تتشكل نتيجة اختياراتنا التحريرية والفكرية.
لكن التأثير لا يعني السيطرة، والقارئ ليس صفحة بيضاء كما نظن، بل يأتينا محمّلا بتجاربه وقناعاته، ودورنا ككتّاب رأي ليس فرض موقفنا عليه، بل تقديمه بما يتيح له أن يرى زاوية ربما لم ينتبه إليها، وبذلك تتحوّل الكتابة من محاولة للإقناع القسري إلى مساحة للحوار الواعي الذي يفتح أفقا للفهم ولا يُغلقه.
والإقناع الحقيقي لا يقوم على الإملاء، بل على بناء منطق متماسك، ولغة واضحة، وحجج قابلة للنقاش.
ومع ذلك، علينا الاعتراف بأن الكلمة قادرة على دفع القارئ خطوة إلى الأمام أو إلى الخلف؛ فقد تمنحه شجاعة لتبنّي موقف كان متردّدا فيه، أو ترسّخ شكوكه أو تنسفها، أو تُعيد ترتيب أولوياته من جديد.
وحين تتكرر مقالاتنا في مساحة زمنية قصيرة ومحددة، يتكوّن (الرأي العام)، وهنا نصبح جزءا من تيار ما، سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه
فهل نكتب لنفتح آفاقا ونرشد، أم لنستفز ونُهيّج؟ وهل نبحث عن تعليمِ المجتمع أم عن التصفيق؟ والفرق بينهما دقيقٌ جدا، لكنه حاسمٌ بدرجة كبيرة، ويحدّد قيمة الكلمة ومسارها وأثرها، ويكشف في النهاية إن كانت الكلمة قد وُلدت من وعي مسؤول، أم من رغبة في لفت الانتباه وصناعة الضجيج.
المقال الذي يلهب المشاعر قد يحصد تفاعلا سريعا، لكنه قد يُعمّق الانقسام، أما المقال الذي يوازن بين العاطفة والعقل، فقد لا يكون الأكثر تداولا، لكنه—من واقع تجربتي—الأكثر تأثيرا على المدى البعيد.
الكتابةُ المسؤولة لا تعني التوازن أو الحياد أو التجرد البارد، وكاتبُ الرأي له قناعاتُه، ومن حقه الدفاعُ عنها بطريقته الخاصة، لكن الدفاع عنها لا يبرّر له تشويه المخالف أو اختزال الحقائق.
فحين نحوّل الكلمة إلى أداة إقصاء، فإنها تفقد قدرتها على الإقناع، وتتحول إلى أداة تعبئة، والتعبئة قد تصنع موقفا سريعا، لكنها نادرا ما تصنع وعيا عميقا يُبنى عليه فهمٌ متماسك، ورؤيةٌ أكثر اتزانا للواقع، بل تُنتج في الغالب قناعات هشة سرعان ما تتبدّل مع تغيّر المزاج العام أو ضجيج اللحظة.
نحن نعيش في زمن تزاحم الأقلام وتكاثر الكتّاب والصحف الإلكترونية، حيث أصبح كلُّ شخص قادرا على التعبير عن رأيه بمسمّى كاتب رأي، وكلُّ صحيفة مفتوحة ترحّب به، مما جعل حجم الكتابة لا يعكس بالضرورة قيمة الطرح أو عمق الفكرة، بل فرض تحدّيا أكبر على القارئ في التمييز بين الرأي المسؤول والطرح السطحي
وفي هذا الضجيج، تزداد قيمة الكلمة المنضبطة الصادقة، فالقارئ العاقل يبحث عمّن يمنحه قراءة عميقة غير مجتزأة، لا مجرد انفعالات متفرّقة، ويبحث عمّن يضع قضاياه في سياقها الصحيح، لا من يقتطعها لخدمة اجندات مسبقة الدفع.
الغالبيةُ العظمى منّا تعتقدُ أن كاتبَ الرأي الناجح هو الأكثرُ نشرا لمقالاته في المواقع والصحف، والحقيقةُ أن نجاح الكاتب لا يُقاسُ إلا بما يتركه من أثر.
فالمسألةُ ليست أن نكون حاضرين في كل مشهد وملتقى ومقهى وصحيفة، بل أن نكون واعين بدورنا، فنحن لا نملأ فراغا في صفحات، بل نملأ مساحات في وعي الناس، وهذه المساحاتُ إمّا أن تُبنى على اتزان ومسؤولية، أو تُترك للفوضى والانعكاسات السطحية.
علينا أن نتذكّر دائما أن القارئ يمنحنا ثقته حين يقرأ لنا، وهذه الثقة رأسُ مالنا الحقيقي ككتّابِ رأي، فإن نحن استثمرناها في التضخيم أو الإثارة خسرناها على المدى البعيد، وإن استثمرناها في مقالات متزنة ورؤية صادقة ربحنا احتراما يدوم، ويظلّ هذا الاحترام هو ما يمنح الكلمة عمرا أطول من لحظتها الأولى.
فالتأثيرُ السريعُ سهلٌ، أما التأثيرُ العميقُ فيحتاج منا إلى صبر ونزاهة فكرية وشجاعة في قول ما نعتقد أنه حقّ دون تهويل أو تحامل أو خوف.
كما أن من مسؤوليتنا أن نراجع أنفسنا ونسألها على الدوام: هل ما نكتبه نابع من قناعاتنا الراسخة أم من انفعالات مؤقتة؟ وهل ما نقدمه معالجاتٌ منطقيةٌ أم نبحث عمّا يجذب الانتباه فقط؟
إن صناعة الوعي لا تتم بالاستعراض، بل بالتراكم، ومع كل مقال نكتبه نضيف لبنة في هذا التراكم، فإمّا أن نقوّي به بناءَ الوطن والمجتمع أو نُضعفه؛ ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن يطمح إليه كاتبُ الرأي ليس أن يُتداول اسمه في كل مكان، بل أن تُثمر مقالاته وكلماته وعيا أعمق، ونقاشا أرقى، ومواقفَ أكثر اعتدالا ووطنية.
والوعيُ بتأثير الكلمة لا يعني الخوف منها، بل احترامَها، واحترامُ القارئ يقتضي أن نكتبَ بوضوح، وأن نصدُقَ فيما نقدّمه له من معلومات، وأن نُفصحَ عن أفكارِنا بدل أن نُخفيها في ثنايا اللغة، فنُشوِّشَ على المتلقّي ونُغلقَ في وجهه أبوابَ الفهم والإبداع والتأمّل.
والكلمةُ حين نكتبها بصدق ووضوح تصبح أقربَ إلى منارة يهتدي بها الجميع، لا إلى ضجيج يُضعفُ وضوحَ الاتجاه ويُشتّتُ الطريق.
والرأي العام ليس كتلة صمّاء بلا مشاعر ولا عقل، بل يتأثر بالتكرار، والفكرة التي نطرحها مرّة قد تمرّ مرور الكرام ولا تؤثّر فيه، لكن الفكرة التي نطرحها عليه عشرات المرّات ومن زوايا مختلفة تترسّخ، حتى تتحوّل مع الوقت إلى قناعة يصعب تجاوزها أو تجاهل أثرها في تشكيل الموقف العام.
لذلك فإن مسؤوليتنا ككتّاب رأي اليوم لا تنتهي بنشر مقالاتنا فقط على قرّائنا، بل تمتدّ على الدوام إلى ما نكرّره، وما نرسّخه، وأيّ صورة نعيد إنتاجها مرّة أخرى.
الكلمةُ قد تُعيد تعريفَ قضايانا، وقد تُنصف أصواتا مهمّشة، وقد تُسهم في تصحيح مساراتنا، لكنها أيضا قد تُشوّه صورتنا وصورة وطننا، وتُسطّح مسائلنا المعقّدة، وتدفعنا إلى تبنّي أفكار ومواقفَ متطرّفة، والفرق بين الوجهين هو وعيُ كاتبِ الرأي بذاته وبأثره وبثقته بنفسه وبقرّائه.
وحين نكتب، فإننا لا نضع حروفا على صفحات فحسب، بل نشارك في تشكيل المزاج العام، وقد لا نرى أثر ما نكتبه فورا، لكنه يتكوّن ببطء: فكرةٌ هنا، ورأيٌ هناك، وموقفٌ يتبلور مع الوقت، ومن مجموع كتاباتنا تتشكّل الاتجاهات، ومن هذه الاتجاهات تتكوّن القرارات والتوجّهات.
لذلك أؤمن أن الكلمة في يد كاتب الرأي ليست امتيازا فقط، بل أمانة؛ أمانة تجاه الحقيقة والوطن، وتجاه القارئ، وتجاه مساحتنا العامة التي نساهم في تشكيلها، وهي أمانةٌ تستوجب أن تُكتب بوعي ومسؤولية، وأن تُمارَس بوصفها التزاما أخلاقيا قبل أن تكون مجرد رأي يُنشر.
فنحن لسنا معزولين عن النتائج، حتى وإن بدت غير مباشرة أو غير واضحة، وكلُّ مقال نكتبه هو لبنةٌ في بناء أكبر، تتراكم مع الوقت لنصنع بها بصمة وقوة فكرية سعودية لا يمكن تجاهلها.
قد لا نستطيع التحكم في كل ما يُفهم من كلماتنا، لكن يمكننا أن نتحكّم في نياتنا ومنهجنا ودقّتنا، وأن نكتب بوضوح، وأن نتحمّل مسؤولية ما نقول، وأن ندرك أن آراءنا اليوم قد تصير غدا مواقفَ يتبنّاها الآخرون.
الكلمةُ تبدأ صغيرة، لكنها لا تبقى كذلك؛ ففي يد كاتبِ الرأي قد تكون بذرةَ وعي تُنبت فهما أوسع، أو شرارةَ انقسام تُعمّق التباعد بين أفراد المجتمع، والاختيارُ في كل مرة نكتب فيها يظلّ مسؤوليتَنا نحن: فماذا سنزرع، وماذا سنترك خلفنا من أثر؟
والكلمة التي نكتبها اليوم ستبقى شاهدة علينا غدا، فإمّا أن تكون دليلا على وعينا ومسؤوليتنا، أو أثرا لا نتمنّى أن يُستعاد، أو درسا نتمنّى لو أعدنا كتابته بوعي أكبر.
وهذا هو الفرق بين من يكتب ليُقال إنه يكتب، وبين من يكتب ويدرك أن الكتابة ليست مساحة للظهور بقدر ما هي مساحةٌ لصناعة أثر يبقى له وللوطن حين يبهت الضجيج ويغيب الصدى.
كاتب رأي
