الذكر والعتبة الخفية للسكينة
الذكر والعتبة الخفية للسكينة
أ.د. عبدالله بن عبدالرحمن آلعبدالقادر
يكشف العلم الحديث، كما تؤكد السنن الشرعية والتجربة الإنسانية، أن التحولات الكبرى لا تحدث غالبًا بفعلٍ لحظي عابر، بل نتيجة تراكمٍ متدرج يبلغ ما يمكن تسميته «العتبة المؤثرة»، وهي النقطة التي يتحول فيها التراكم الكمي إلى أثر نوعي عميق.
فالخلية العصبية – على سبيل المثال – لا تطلق الإشارة الكهربائية الكاملة من منبه واحد ضعيف، بل تحتاج إلى تكرار الإشارات حتى تبلغ الجهد الحرج، وعندها تنتقل الإشارة عبر الجهاز العصبي بكفاءة. وكذلك الأدوية لا يظهر أثرها الحقيقي من الجرعة الأولى، بل بعد وصول تركيزها إلى ما يعرف بالحالة المستقرة داخل الجسد.
ومن هنا تتجلى حقيقة مهمة؛ فالتكرار قانون كوني يحكم كثيرًا من مظاهر الحياة والوجود. فالقلب ينبض بإيقاع متكرر، والتنفس قائم على التتابع المنتظم، والأمواج والمدارات الكونية تعمل وفق أنظمة تراكمية دقيقة.
وفي ضوء ذلك، يمكن فهم الذكر والتسبيح والتكبير بوصفها أعمالًا تتجاوز مجرد التلفظ بالألفاظ؛ إذ إن التكرار الروحي المنظم قد يقود النفس إلى حالة من السكينة والصفاء، وينقل الإنسان من التشتت إلى الحضور القلبي والطمأنينة النفسية.
كما أن التكرار المستمر للذكر قد يخلق نوعًا من الانسجام بين القلب والعقل والمشاعر، تمامًا كما يحدث «الرنين» في الظواهر الفيزيائية عندما تتوافق الموجات المتكررة فتنتج أثرًا أعظم من مجموع أجزائها.
وقد أشار القرآن الكريم والسنة النبوية إلى أهمية العدد والتكرار في مواضع عديدة؛ فالأذكار بعد الصلاة جاءت بأعداد محددة، والتسبيح والتحميد والتكبير ارتبطت بأرقام مخصوصة، مما يدل على أن للعدد أثرًا تربويًا وروحيًا، وليس مجرد دلالة حسابية.
كما أدرك السلف الصالح هذه الحقيقة، فكانوا يداومون على الأذكار المأثورة ويرون فيها غذاءً للقلوب وتزكيةً للنفوس. وقد أكد الإمام النووي في كتابه «الأذكار» أهمية المحافظة على الأذكار الواردة بأعدادها وهيئاتها، لما تحمله من آثار إيمانية وتربوية عميقة.
ومن هنا يتبين أن اتخاذ وِرد يومي من التسبيح والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ يدخل في باب الوسائل التربوية المشروعة التي تعين على حضور القلب واستقامة النفس، ما دام قائمًا على أصل شرعي صحيح دون ابتداعٍ في الدين.
وخلاصة الأمر أن التكرار المنضبط ليس عبثًا، بل سنة من سنن الله في الكون والحياة والنفس الإنسانية، وأن بلوغ قدر معين من التكرار قد يكون سببًا في اكتمال الأثر وظهور التحول الداخلي والسكينة المنشودة.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كاتب رأي