محمد الحساني .. فارس الكلمة
محمد الحساني .. فارس الكلمة
محمد الفريدي
يُعد شاعرنا وكاتبنا الكبير محمد أحمد الحساني، أمدّ الله في عمره على طاعته، واحدا من أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل ملامح المشهد الثقافي والإعلامي في المملكة العربية السعودية.
فقد جمع بين التجربة الشعرية والعمل التعليمي والصحفي والإداري في مسار متكامل يعكس وعيه المبكر بقيمة الكلمة ودورها في بناء وعي المجتمع ، وأسهم في ترسيخ حضوره بوصفه مشعلا للتنوير، ومسؤولا عن الكلمة الحرة التي يتجاوز بها حدود التعبير إلى التأثير في الفكر والسلوك.
وُلد أديبنا الكبير في مكة المكرمة عام 1368هـ (1949م)، ونشأ فيها وترعرع، وتلقّى تعليمه في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، ثم التحق بمعهد المعلمين الثانوي بمكة المكرمة وتخرج منه.
وبدأ مسيرته العملية معلما في المرحلة الابتدائية خلال الفترة من 1390هـ حتى 1400هـ، وشكّلت هذه المرحلة أساسا مهما في بناء شخصيته، حيث احتكّ بالمجتمع عن قرب، ولمس أثر الكلمة في التوجيه والتربية.
وفي عام 1400هـ، انتقل إلى العمل الإداري، كموظف في العلاقات العامة بتعليم منطقة مكة المكرمة حتى عام 1402هـ، وهي تجربة أضافت إلى رصيده مهارات التواصل والعمل المؤسسي، قبل أن تشهد حياته المهنية تحوّلا مهما بانتقاله إلى رابطة العالم الإسلامي عام 1402هـ.
في الرابطة هناك، تولّى رئاسة تحرير صحيفة (أخبار العالم الإسلامي) الأسبوعية، الصادرة عن إدارة الصحافة والنشر، وهو موقع أتاح له الإسهام في صياغة خطاب إعلامي يتجاوز الحدود المحلية إلى الفضاء الإسلامي الأوسع.
ولم تمضِ سنوات قليلة حتى عُيّن عام 1407هـ مديرا لإدارة الصحافة والنشر، في دلالة على كفاءته المهنية وقدرته على إدارة العمل الإعلامي بعمل مؤسسي منضبط.
ومع اتساع خبرته، عُيّن اعتبارا من عام 1412هـ مديرا عاما لإدارة المكاتب والمراكز الخارجية في رابطة العالم الإسلامي، وهو منصب أتاح له التواصل مع مراكز ثقافية متعددة في أوروبا وأفريقيا ودول البحر الكاريبي، واكتسب من خلاله عضوية مجالس إدارات عدد من هذه المراكز، مما عزّز حضوره في العمل الثقافي الدولي، وأكسب تجربته بُعدا يتجاوز الإطار المحلي.
وبالتوازي مع عمله الرسمي، لم ينقطع عن الكتابة، بل ظل حاضرا في عدد من الصحف والمجلات المحلية، يكتب مقالات أدبية واقتصادية وسياسية، وقد عُرف بزاويته اليومية (على خفيف) التي كانت تنشر في صحيفة عكاظ، حيث كان يقدم من خلالها طرحا يجمع بين خفة الأسلوب وعمق الفكرة في معادلة قلّما تتحقق لأحد بسهولة.
كما عمل محررا غير متفرغ في صحيفة (الندوة)، وتنقّل بين الشؤون المحلية والقسم السياسي في الفترة من 1394هـ حتى بداية 1408هـ، وهو ما يعكس تنوّع اهتماماته وقدرته على الكتابة في أكثر من حقل.
أما في تجربته الشعرية، فقد أصدر عام 1397هـ ديوانه الأول (رعشة الرماد) عن نادي مكة الثقافي، ثم عاد بعد سنوات وأصدر ديوانه الثاني (الموعد والمساء) عام 1412هـ بعد انقطاع عن كتابة الشعر دام قرابة عشر سنوات انشغل خلالها بالعمل الصحفي والإداري.
ورغم ذلك ظل الشعر حاضرا في وجدانه ليعود إليه بنضج أكبر وتجربة أعمق، كما أن له ديوانا ثالثا مخطوطا بعنوان (حصاد الأوهام) ينتظر أن يرى النور ليكتمل به مشروعه الشعري.
إن تجربة أديبنا الكبير محمد أحمد الحساني تمثل نموذجا للمثقف الذي لم يكتفِ بحضور أحادي، بل تنقّل بين التعليم والصحافة والعمل المؤسسي دون أن يفقد صوته الخاص. فقد ظل وفيا للكلمة، سواء في قصيدة تُقال، أو مقال يُكتب، أو عمل يُدار بروح ثقافية.
وهو ما يجعل سيرته ليست مجرد تتابع وظيفي، بل مسارا إنسانيا وثقافيا يعكس قيمة الالتزام وعمق الانتماء لدور الكلمة في المجتمع.
ولا يمكن الحديث عن تجربة محمد الحساني دون التوقف طويلا عند حضوره الصحفي، خاصة في زمن الصحافة الورقية التي كانت فيه الكلمة تُنتظر بفارغ الصبر، وتُعاد قراءتها أكثر من مرة، وتُناقش في المجالس والمنتديات الثقافية.
وقد تميّز بجراءة عالية وواعية في الطرح، لا يتصادم من أجل الإثارة، وإنما يضع الفكرة في موضعها بوضوح وثقة، ويلامس القضايا بعمق دون أن تفقد مقالاته اتزانها أو مسؤوليتها.
في تلك المرحلة، لم تكن المقالة مجرد مساحة رأي فحسب، وإنما حدث يومي يترقبه القراء، وكان للحساني نصيب الأسد من هذا الحضور؛ فقد شكلت مقالاته علامة فارقة لدى شريحة واسعة من المتابعين الذين اعتادوا ألا تفوتهم كتاباته لصراحتها واتزانها في آن واحد، ولما اتسمت به من قدرة على ملامسة قضاياهم بفهم عميق وتحليل متزن.
لقد امتاز أسلوبه بقدرته على الجمع بين البساطة والعمق والجراءة، فهو لا يثقل النص بالتكلّف، ولا يفرّط في المعنى، ويقدّم الفكرة في صياغة محكمة تُشعر القارئ بأنه أمام كاتب يعرف ما يقول ويعرف كيف يقوله.
وهذه المعادلة الدقيقة بين وضوح عبارته وقوة طرحه هي ما جعلت مقالاته قريبة من مختلف مستويات القرّاء دون أن تفقد قيمتها لدى النخبة، وكان يكتب بلغة سلسة ويطرح أفكاره بثقة دون أن يقع في فخّ الادّعاء أو المبالغة، ولهذا السبب كنت من أشدّ المعجبين به.
وفي زاويته اليومية (على خفيف)، تجلّت هذه الخصوصية بوضوح، حيث استطاع أن يحوّلها إلى مساحة ذكية تجمع بين الطرافة والجدية، فقدم موضوعات متنوعة بأسلوب يبدو خفيفا في ظاهره، لكنه يحمل في عمقه قراءة واعية للواقع الاجتماعي والثقافي.
ولم تكن هذه السهولة في الطرح أمرا وليد الصدفة، بل نتيجة خبرة طويلة وتمرس في التعامل مع الكلمة بوصفها أداةَ تأثير لا مجرد وسيلة تعبير.
كما أن قوة أسلوبه لا تعني حدّة الطرح، وإنما تعني تماسك الفكرة وقدرته على بناء المقال بطريقة متدرجة تبدأ بمقدمة تمهّد للفكرة، ثم عرض يتكئ على التحليل، وصولا إلى خاتمة تترك أثرا في ذهن القارئ.
وهذا البناء المحكم هو ما جعل نصوصه قابلة للاستعادة والتأمل حتى بعد مرور الزمن، في وقت كانت فيه المقالة الجيدة تعيش أطول من يوم نشرها.
ومن اللافت في تجربته الصحفية أنه لم يكن أسير موضوع واحد، بل تنقّل بين الأدبي والاقتصادي والسياسي دون أن يفقد توازنه أو وضوح صوته، وكان يدرك أن الكاتب الحقيقي هو من يستطيع قراءة الواقع من زوايا متعددة وتقديم رؤيته دون أن يتخلّى عن ثوابته.
ولذلك جاءت مقالاته متنوعة لكنها متماسكة في روحها، تعكس شخصية كاتب يمتلك أدواته ويعي مسؤولية ما يكتب.
وإذا كانت الصحافة الورقية قد منحت الكاتب آنذاك مساحة أوسع للتأثير، فإن الحساني كان من الذين أحسنوا استثمار هذه المساحة، فصنع علاقة ثقة مع القارئ تقوم على الاحترام المتبادل، ولم يكن يكتب لإرضائه، بل ليحاوره ويطرح أمامه أفكارا تستحق التفكير والتأمل.
وهذه العلاقة تحديدا هي ما جعلت مقالاته تُنتظر على أحرّ من الجمر، وتُقرأ بعناية، وتبقى في الذاكرة، بوصفها نصوصا تجمع بين المتعة الفكرية وصدق الطرح وعمق الرؤية.
إن الإشادة بتجربة محمد الحساني في المقالة الصحفية ليست مجاملة، وإنما توصيف لمرحلة كان فيها للكلمة وزنها وللكاتب حضوره، وقد استطاع أن يقدّم نموذجا يجمع بين جمال الأسلوب وقوة الفكرة، وبين الهدوء في الطرح والعمق في المعنى.
وهو ما جعل تجربته جديرة بالتأمل والكتابة عنها بوصفها معيارا يُقاس عليه في زمن تغيرت فيه أدوات الكتابة والكتّاب، وبقيت فيه الحاجة إلى الكلمة الصادقة كما هي.
وإذا امتدّ التأمل في تجربة محمد الحساني، فإننا لا نتوقف عند منجزه المنشور فحسب، وإنما عند أثره غير المباشر في الذائقة لدى جيل كامل، فقد أسهمت مقالاته بما تحمله من اتزان ووضوح في ترسيخ نموذج للكتابة التي تحترم عقل القارئ وتدفعه إلى التفكير بدلا من التلقّي السريع والنسيان الأسرع.
وهذا الدور، وإن بدا غير معلن، يظل من أعمق أدوار الكاتب تأثيرا، لأنه يشارك في تشكيل طريقة التلقي، وليس مجرد تقديم المحتوى، ويعيد بناء وعي القارئ وتوجيه نظرته إلى النص والمعنى.
كما أن تجربته تعكس قيمة الاستدامة في العمل الصحفي؛ فلم يكن حضوره مرتبطا بمرحلة زمنية محددة، وإنما امتد عبر سنوات طويلة، حافظ خلالها على مستوى ثابت من الجودة في زمن كثيرا ما تتذبذب فيه التجارب والأفكار.
وهذه القدرة على الاستمرار بنفس الروح، دون تكرار ممل أو انقطاع مفاجئ، تشير إلى وعي مهني عميق وإيمان حقيقي لديه بأن الكتابة ليست حالة مؤقتة، بل التزامٌ طويل الأمد.
ولعل ما يميّزه أيضا أنه لم يسعَ إلى الإثارة الإعلامية ككُتّاب اليوم، بل ترك لنصوصه أن تقوم بالمهمة، فحضر بهدوء واستمر بثبات، وترك أثرا لا يُقاس بكثرة الظهور، وإنما بعمق التأثير، وظل حضوره مرهونا بقيمة ما يُكتب لا بظهوره في كل محفل ولا بكمّ ما يُنشر، وهي سمة لا تتكرر كثيرا في الوسط الصحفي.
محمد الحساني قدّم عبر مقالاته المختلفة نموذجا للكلمة المسؤولة التي توازن بين الفكرة والأسلوب، وتمنح المتلقي فرصة للتأمل والتفكير، فبقي أثره ممتدا في الذاكرة الثقافية إلى اليوم بوصفه أحد الأصوات التي خدمت المعرفة بهدوء وعمق.
كل الشكر والتقدير على ما قدّمته يا أبا أحمد من عطاء صحفي ومعرفي أسهم في ترسيخ حضور المقال الهادف اليوم ونشر الوعي بأسلوب يجمع بين العمق والاتزان، وسيبقى أثرك حاضرا في الذاكرة الثقافية والصحفية بوصفك فارسا للصحافة والكلمة، لا يُنسى حضورك ولا يُغفل دورك في خدمة الساحة الإعلامية والفكرية مهما توالت الأيام.
رئيس التحرير




