كُتاب الرأي

” وسائل التقاطع الاجتماعي “

” وسائل التقاطع الاجتماعي “
…….

إن وسائل التواصل الاجتماعي أو ما يسمى ب ( السوشل ميديا )
والتي وُجدت أساسا لتقريب الناس بعضهم ببعض ، تحولت في كثير من الأحيان إلى وسائل “تقاطع اجتماعي” أكثر من كونها وسائل تواصل !!
صحيح أنها نجحت في جمع البشر فكرياً وإلكترونياً، فصار بإمكان الإنسان أن يشارك أفكاره وصوره وأخباره في ثوانٍ مع أشخاص في أقصى الأرض . لكنها، في المقابل ، سحبت من الحياة شيئاً عظيماً اسمه “اللقاء الحقيقي”. فالكثير من الناس اكتفوا برسالة قصيرة بدلاً من زيارة، وبصورةٍ عبر الهاتف بدلاً من مصافحة ، وبإعجاب إلكتروني بدلاً من كلمة صادقة تقال وجهاً لوجه.

حتى الإهداءات التي كانت تحمل عبق المشاعر ، وتُقدم بشكل مباشر باليد مع ابتسامة، أصبحت اليوم تُرسل عبر التطبيقات مع بطاقة إلكترونية باردة، تؤدي الغرض شكلياً فقط لكنها تفتقد حرارة الحضور الإنساني . وكذلك المناسبات الاجتماعية، فكم من شخص يكتفي بكتابة “مبروك” أو “ عظم الله أجركم” دون أن يرى صاحب المناسبة أو يواسيه حضوراً ومشاركة.

وللأسف مع مرور الوقت ، بدأت العلاقات الاجتماعية تفقد عمقها الحقيقي، لأن التواصل الإلكتروني – مهما بلغ من السرعة والتطور – لا يستطيع أن يعوّض لغة العيون، ولا نبرة الصوت، ولا دفء المجالس، ولا الشعور الذي تمنحه الزيارة الصادقة. فالعلاقات لا تُبنى فقط بالكلمات المكتوبة، بل بالمواقف والقرب والاهتمام الواقعي.

ولا يعني ذلك أن وسائل التواصل شر مطلق ، فهي نعمة عظيمة إذا استُخدمت بوعي واتزان ، وقد قرّبت المسافات وسهّلت المعرفة ونقلت الأخبار وأتاحت فرصاً كثيرة للتعلم والتعاون . لكن الخطأ حين تصبح بديلاً كاملاً عن العلاقات الإنسانية الحقيقية، وحين يظن الإنسان أن تفاعله عبر الشاشة يغنيه عن السؤال المباشر واللقاء الحميم .

إننا اليوم بحاجة إلى إعادة التوازن ؛ أن نستخدم التقنية دون أن تسمح لنا التقنية بأن تعزلنا . بحاجة إلى أن نعيد للزيارات قيمتها ، وللجلسات دفأها، وللمصافحة معناها، وأن ندرك أن الإنسان لا يعيش بالاتصال الإلكتروني وحده ، بل يحتاج إلى قرب إنساني يشعره بأنه حاضر في قلوب الآخرين ، لا مجرد اسم يمر في قائمة المتابعين .
كم نتمنى عودة الزيارات الحضورية التي أفتقدناها أو نكاد نفتقدها .
نعم نحن نتذكر بألم شديد زمن مضى ، كانت المجالس تضج بالأحاديث ، والزيارات تحمل دفء اللقاء ، وكانت المناسبات فرصة لاجتماع الأرواح قبل الأجساد .
أما اليوم ، فقد تبدلت المشاهد ، وأصبح الإنسان يعيش وسط آلاف “الأصدقاء” افتراضياً فقط ، بينما يزداد بعداً عمن حوله واقعياً .

ابتسام عبدالعزيز الجبرين
نائب رئيس التحرير

 

ابتسام عبدالعزيز الجبرين

نائبة رئيس التحرير ( كاتبة رأي ومؤلفة )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى