*وآخرين لا تعلمونهم .*
*وآخرين لا تعلمونهم .*
*رؤية تحليلية .*
لا تقاس التهديدات الحديثة بما يظهر على السطح، بل بما يتحرك في الظل. في زمن تتشابك فيه أدوات القوة، لم تعد المواجهة تعتمد على الجيوش النظامية وحدها، بل برزت أنماط أكثر تعقيدا تستهدف الداخل قبل الحدود، وتعمل على تفكيك الاستقرار من داخله عبر أدوات خفية وممتدة.
تعتمد بعض الاستراتيجيات الإقليمية على توظيف شبكات غير نظامية تعمل داخل الدول بغطاء مدني أو اقتصادي، وتتحرك ضمن بيئة محلية لتقليل الانكشاف. تبدأ هذه الشبكات ببناء الثقة، ثم تجمع المعلومات، ثم تتمركز في مواقع حساسة، قبل أن تتحول إلى أدوات ضغط أو تعطيل. وتعتمد غالبا في التجنيد على الإغراء المالي، أو الاستمالة الأيديولوجية، أو استغلال العلاقات الشخصية، وتستخدم قنوات اتصال مشفرة ووسطاء لتقليل المخاطر.
في هذا السياق، يبرز دور الحرس الثوري الإيراني ووزارة الاستخبارات والأمن الوطني الإيرانية ( وزارت إطلاعات جمهوري إسلامي إيران ) ، إلى جانب توظيف وكلاء إقليميين مثل حزب الله. تكشف الوقائع عن منظومة موجهة مركزيا تحدد الهدف والتوقيت وتدير التنفيذ، وتؤكد أن هذه الشبكات تمثل امتدادا مباشرا لأجهزة رسمية، ما يضع المسؤولية كاملة على النظام الإيراني بوصفه المحرك والمنسق لهذه الأنشطة.
لم يعد هذا الطرح نظريا، بل تؤكده الوقائع الميدانية. فقد كشفت قضية أمنية حديثة في مملكة البحرين الشقيقة عن شبكة تضم واحدا وأربعين متهما، وارتبطت أنشطتهم الإرهابية بالتنسيق والتدريب والدعم الخارجي، في نموذج يعكس كيفية عمل الخلايا النائمة التي تنتظر التوقيت المناسب للتحرك. تمثل هذه القضية دليلا عمليا على أن التهديد ليس عابرا، بل ممنهجا وممتدا، ويستهدف البنية الداخلية للدولة.
إن توظيف الخلايا النائمة، وتجنيد عناصر محلية، وتمويلها وتوجيهها، يمثل سلوكا منظما تتحمل مسؤوليته المباشرة الجهات الداعمة له. ويعد ذلك انتهاكا صريحا لسيادة الدول، ويخالف مبادئ القانون الدولي التي تحظر التدخل في الشؤون الداخلية أو دعم أعمال عدائية عبر وكلاء. كما يقوض هذا السلوك مفهوم الاستقرار الإقليمي، ويحول المجتمعات إلى ساحات مفتوحة لصراعات غير معلنة.
ورغم ذلك، أثبتت الدول العربية، خصوصا في الخليج العربي، قدرة متقدمة على التعامل مع هذا النوع من التهديدات، وطورت منظومات أمنية استباقية تقوم على التكامل المؤسسي، وتعزز الرصد المبكر، وتدعم تبادل المعلومات. وأكدت التجارب أن كشف الخلايا قبل اكتمال بنيتها يمثل خط الدفاع الحقيقي في مواجهة هذا النمط من الحروب.
*إن الأمن لا يدار برد الفعل، بل بالسبق والوعي العميق بطبيعة التهديد. ويعزز تماسك المجتمع، وترسيخ مفهوم المواطنة والانتماء الوطني، الحصن الأول ضد أي اختراق . فكلما ارتفعت درجة الوعي الأمني للمواطن والتقدم بالبلاغ الأمني للجهات الأمنية المعنية عند الإشتباه ، تضاءلت قدرة هذه الشبكات على النفاذ، وكلما تعززت الثقة بين المواطن ومؤسساته، انحسر أثر الدعاية والتجنيد.*
*في النهاية، لم تعد المعركة على الحدود فقط، بل داخل العقول والبيئات الاجتماعية. ومن يراهن على الخفاء لإرباك الدول، سيواجه واقعا جديدا يقوم على يقظة مستمرة، وقدرة متنامية على كشف ما كان يعتقد أنه لا يرى.*
*إن تجاهل التهديد الخفي لا يلغي وجوده، بل يمنحه مساحة أكبر للتمدد… والدول التي تدرك ذلك مبكرا، هي وحدها القادرة على حماية استقرارها قبل أن يتحول الصمت إلى خطر ..والشر لا يأتيك دائما في صورة عدو واضح… بل قد يأتيك في هيئة مألوفة..*
كتبه ؛
اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي
*السبت، 9 مايو 2026 م .*
