كُتاب الرأي

حضرموت والمملكة… من الجوار إلى المصير المشترك

حضرموت والمملكة… من الجوار إلى المصير المشترك

في خضم التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة، لم تعد القضايا تُقاس بالشعارات العاطفية أو الاصطفافات التقليدية، بل بقدرة الشعوب على قراءة المستقبل وصناعة تحالفات قائمة على المصالح المشتركة والاستقرار طويل المدى.

ومن هذا المنطلق، تبدو حضرموت اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة؛ فإما أن تبقى رهينة للفوضى اليمنية وصراعات الأحزاب ومشاريع النفوذ المتناحرة، أو أن تتجه نحو مشروع استراتيجي جديد يعيد تعريف موقعها السياسي والجغرافي ضمن رؤية متكاملة مع المملكة العربية السعودية، باعتبارها العمق الطبيعي والتاريخي والأمني لحضرموت.

لقد أثبتت العقود الماضية أن الدولة اليمنية بصيغتها القديمة فشلت في بناء شراكة عادلة مع حضرموت، بل تحولت العلاقة إلى حالة استنزاف ممنهج للثروة والقرار والهوية. فحضرموت ظلت لعقود تُعامل كخزان اقتصادي وموقع جغرافي مهم، دون أن تُمنح حقها في التنمية أو الشراكة الحقيقية أو حتى إدارة شؤونها بما يليق بثقلها التاريخي والاستراتيجي.

وفي المقابل، فإن المملكة العربية السعودية لم تعد تنظر فقط إلى حدودها الجغرافية الضيقة، بل إلى مفهوم الأمن القومي الشامل، القائم على استقرار المحيط، وتأمين الممرات الحيوية، ومنع تشكل بؤر الفوضى والاختراقات الإقليمية في خاصرتها الجنوبية.

ومن هنا، فإن الحديث عن مشروع حضرمي ـ سعودي مشترك لم يعد ترفًا فكريًا أو طرحًا عاطفيًا، بل ضرورة استراتيجية تمليها الجغرافيا والتاريخ والمصالح العليا للطرفين.

حضرموت تمتلك كل المقومات التي تجعلها شريكًا حقيقيًا في أي مشروع نهضوي مستقبلي:

موقع استراتيجي يطل على بحر العرب وخطوط التجارة الدولية.

ثروات طبيعية هائلة غير مستثمرة بالشكل الصحيح.

عمق اجتماعي وقبلي متماسك مقارنة ببقية مناطق الصراع.

إرث حضاري وتجاري ممتد عبر قرون.

مجتمع بطبيعته أقرب إلى الاعتدال والاستقرار والانفتاح.

لكن هذه المقومات وحدها لا تكفي، ما لم تُحمَ بمشروع سياسي وأمني وتنموي واضح.

وهنا تبرز فكرة التكامل الكونفدرالي بين حضرموت والمملكة العربية السعودية كأحد أكثر التصورات واقعية للمستقبل؛ ليس بمعنى الذوبان أو إلغاء الهوية الحضرمية، بل على العكس تمامًا، من خلال بناء علاقة استراتيجية تحفظ لحضرموت خصوصيتها وهويتها وإدارتها المحلية، وفي الوقت ذاته تضعها ضمن مظلة أمنية وتنموية واقتصادية قوية ومستقرة.

هذا النموذج يمكن أن يؤسس لمرحلة جديدة تقوم على:

شراكة أمنية لحماية حضرموت من الاختراقات والفوضى والتنظيمات العابرة للحدود.

بناء مؤسسات حديثة مدعومة بالخبرات والاستثمارات السعودية.

تطوير البنية التحتية والموانئ والمطارات وربط حضرموت اقتصاديًا بالخليج.

تحويل حضرموت إلى مركز لوجستي وتجاري مهم يربط الجزيرة العربية بالمحيط الهندي وشرق أفريقيا.

خلق نهضة تعليمية وصحية وتنموية حقيقية تليق بحجم المنطقة وثرواتها.

بناء نموذج مستقر ومعتدل يمكن أن يصبح نقطة توازن مهمة في المنطقة كلها.

كما أن هذا المشروع لا يخدم حضرموت وحدها، بل يخدم المملكة أيضًا؛ فاستقرار حضرموت يعني استقرار العمق الجنوبي للجزيرة العربية، ويعني حماية خطوط الطاقة والتجارة، وتقليل مساحات الفوضى التي تستغلها القوى المعادية والإرهابية والتنظيمات العابثة.

والأهم من ذلك كله، أن أي مشروع مستقبلي ناجح يجب أن يُبنى على الإرادة الشعبية الحضرمية الحرة، لا على الإملاءات الحزبية أو الصفقات المؤقتة. فحضرموت لا تحتاج أوصياء جددًا، بل تحتاج شراكة حقيقية تحفظ كرامتها ومصالح شعبها وتعيد لها دورها الطبيعي في محيطها العربي والإسلامي.

إن المنطقة بأسرها تتغير بسرعة، والتحالفات تُعاد صياغتها وفق معايير جديدة، ومن لا يقرأ المستقبل بعقل استراتيجي سيجد نفسه ضحية له.

ولعل الفرصة اليوم مواتية أكثر من أي وقت مضى لكي تبدأ النخب الحضرمية الوطنية في بلورة مشروع متكامل وواضح المعالم، يفتح باب الحوار الجاد مع المملكة حول مستقبل قائم على التكامل، لا التبعية… وعلى الشراكة، لا الاستغلال… وعلى الاستقرار، لا الفوضى.

فحضرموت ليست هامشًا في التاريخ، ولن تبقى كذلك…بل قد تكون في المرحلة القادمة أحد أهم مفاتيح الاستقرار والنهضة في الجزيرة العربية بأسرها.

بقلم:مهندس صالح بن سعيد المرزم
9 مايو 2026

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى