حين تتحوّل الحرب إلى فرصة
حين تتحوّل الحرب إلى فرصة
كيف أعادت المواجهة مع إيران رسم خرائط القوة واللوجستيات في المنطقة؟
ليست كل الحروب خسارةً مطلقة، كما أنها ليست انتصارًا صافياً لأي طرف. بعض الحروب، وإن بدت في ظاهرها صراعًا مدمّرًا، فإنها في عمقها تعيد ترتيب موازين القوى، وتكشف الحقائق التي كانت مؤجلة، وتسرّع تحولات كانت تحتاج عقودًا لتتبلور. وما نشهده اليوم في سياق المواجهة مع إيران هو نموذج حيّ لهذا النوع من الحروب: حربٌ كشفت أكثر مما أخفت، وبنت بقدر ما هدمت.
نعم، أصابت المنطقة أضرار لا يمكن إنكارها، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو الاستقرار النفسي العام، ولكن القراءة السطحية وحدها هي التي تتوقف عند هذا الحد. أما القراءة العميقة، فتدرك أن هذه الحرب تحديدًا أسهمت في تحقيق مكاسب استراتيجية غير مسبوقة لدول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.
لقد كشفت هذه المواجهة حجم الجاهزية الخليجية، ليس فقط عسكريًا، بل لوجستيًا واقتصاديًا. حين اهتزّت طرق الملاحة، وحين أصبح مضيق هرمز ورقة ضغط مكشوفة، لم تنهَر المنظومة الخليجية كما كان يُراهن البعض، بل أثبتت أنها قادرة على امتصاص الصدمات، وإعادة توجيه مساراتها بمرونة عالية. هنا ظهرت “العظمة السعودية” – لا كشعار، بل كواقع عملي – من خلال منظومة دعم لوجستي متكاملة، حافظت على تدفق الطاقة، وحمت الاقتصاد، وضمنت استمرارية الحياة برفاهيتها المعتادة.
لكن ما يبدو اليوم كقدرة على التكيّف، هو في حقيقته نتيجة إعدادٍ طويل سبق هذه الأحداث بسنواتٍ بل بعقود.
بعدٌ سعودي… قراءة ما قبل الحدث لا ما بعده
فالمملكة العربية السعودية لم تكن تتعامل مع هذه التحولات كردّة فعل، بل كاستحقاق متوقّع تم الاستعداد له مبكرًا. لقد قرأت المشهد الجيوسياسي بعمق، وأدركت أن المنطقة – بحكم موقعها وثرواتها – ستبقى عرضة للتوترات، وأن أمنها الاقتصادي لا يمكن أن يُبنى على افتراض الاستقرار الدائم.
من هنا، لم يكن تطوير البنية التحتية مجرد مشاريع تنموية، بل كان بناءً استراتيجيًا طويل المدى. شبكات طرق مترابطة، مطارات بمواصفات عالمية، وموانئ تُدار بعقلية تنافسية دولية… كل ذلك شكّل منظومة جاهزة لاستيعاب الصدمات والتحولات.
أما القفزة الأهم، فتجلّت في مشروع مد أنابيب النفط شرق–غرب، الذي انطلق منذ أكثر من 45 عامًا. لم يكن هذا المشروع مجرد خيار اقتصادي لتسهيل النقل، بل كان قرارًا سياديًا عميق الرؤية، يهدف إلى تحرير تدفق الطاقة من أي رهينة جغرافية.
واليوم، ومع تصاعد التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز، يتضح أن المملكة لم تكن تتوقع الأزمة فقط، بل بنت لها مخرجًا قبل أن تقع. لقد أوجدت مسارًا بديلاً يضمن استمرار التصدير دون المرور بمناطق التوتر، وهو ما منحها، ومعها دول الخليج، قدرة استثنائية على الثبات والمناورة.
هذا البعد السعودي لا يُقاس فقط بما تحقق، بل بما تم تفاديه.
فبينما تفاجأت بعض الدول بالأزمات، كانت المملكة قد سبقتها بخطوات، تُخطط وتُنفّذ وتُؤسس لسيناريوهات لم تقع بعد… لكنها كانت تعرف أنها قادمة.
ولعلّ الأهم من ذلك، أن هذه الحرب سرّعت وتيرة التحولات اللوجستية التي كانت تُطبخ بهدوء في الكواليس. ما كان يحتاج سنوات من التخطيط والتدرج، أصبح اليوم ضرورة عاجلة، فتم تسريع تنفيذه. وهذا بحد ذاته مكسب استراتيجي؛ لأن الزمن في عالم الجغرافيا السياسية هو العامل الحاسم بين من يقود ومن يُقاد.
لكن، ورغم كل ما تحقق، فإن ما نراه اليوم ليس إلا المرحلة الأولى.
المرحلة الحاسمة – والتي ستنقل المنطقة من ردّة الفعل إلى الفعل – تكمن في توسيع التمازجات اللوجستية على نطاق أوسع، وهنا تبرز حضرموت كبوابة استراتيجية لا غنى عنها. فالموقع الجغرافي لحضرموت ليس مجرد امتداد جغرافي، بل هو مفتاح لإعادة رسم خارطة التجارة العالمية، وكسر احتكار الممرات التقليدية.
حين تُفعّل حضرموت ضمن منظومة لوجستية متكاملة تربط الخليج بالبحر العربي مباشرة، فإن مضيق هرمز يفقد أهميته كأداة ضغط. بل يمكن القول إن تفعيل هذا المسار سيُنهي فعليًا مرحلة الابتزاز الجيوسياسي التي مارسته إيران لعقود، عبر التهديد بإغلاق المضيق أو تعطيله.
وهنا لا نتحدث عن خيار تكميلي، بل عن ضرورة استراتيجية.
إن الربط بين المنظومة الخليجية، ومصر بثقلها الجغرافي والتحكمي في قناة السويس، وحضرموت كبوابة بحرية مفتوحة، سيخلق محورًا لوجستيًا جديدًا يعيد تعريف مفهوم التجارة العالمية. محور لا يعتمد على ممر واحد، ولا يخضع لابتزاز طرف واحد، بل يقوم على تعددية المسارات وتكامل الأدوار.
وفي قلب هذا المحور، تقف المملكة العربية السعودية، ليس فقط كدولة محورية، بل كقاعدة دولية لربط الشرق بالغرب، في الطاقة، والتجارة، والاستثمار، وحتى الثقافة. هذه ليست مبالغة، بل قراءة واقعية لمسار التحولات الجارية.
لقد أثبتت الحرب أن من يمتلك القدرة على إدارة الأزمات، هو ذاته القادر على صناعة المستقبل. والسعودية اليوم لا تدير الأزمة فقط، بل تعيد هندسة المنطقة بالكامل، بهدوء وثقة، وبعقل استراتيجي يدرك أن اللحظة التاريخية لا تتكرر.
ختامًا، يمكن القول إن الحرب مع إيران – رغم قسوتها – لم تكن مجرد صراع عابر، بل كانت لحظة كشف كبرى، أظهرت من يملك أدوات التأثير الحقيقي، ومن يراهن على أدوات انتهى زمنها. وما لم يُستكمل المشروع اللوجستي ببوابة حضرموت، فإن جزءًا من هذه الفرصة سيظل غير مستثمر.
أما إذا اكتمل… فنحن أمام ولادة نظام إقليمي جديد، تُكتب قواعده من هنا، لا من خارج المنطقة.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
5 مايو 2026