*الإنسان أولًا… وما سواه مكان!!*
*الإنسان أولًا… وما سواه مكان!!*
* عبدالمحسن محمد الحارثي*
ليس كلُّ ما يُبنى يُعاش، ولا كلُّ ما يُشيَّد يُخلَّد في الوجدان.
فالمكان—مهما بلغ من الإتقان—يبقى هيكلًا صامتًا، ينتظر من ينفخ فيه معنى الحياة؛ إذ يقرّر ابن خلدون أن العمران تابعٌ للإنسان، وأن الخراب ليس في سقوط الجدران، بل في غياب من يسكنها.
نحن لا نقصد المناسبات لأجل القاعات، بل لأجل الوجوه.
ولا نحضر المباريات لأجل الأرض، بل لأجل الصخب الذي يهب الحياة معناها. ولا نرتاد الأسواق حبًّا في المعروض، بل لأن الناس فيها هم المعنى الحقيقي لكل حركة.
وكأنّ أرسطو قد لخّص هذا الوعي حين قال: الإنسان مدنيٌّ بالطبع؛ أي لا يكتمل إلا في حضرة غيره.
فالإنسان هو الذي يمنح المكان روحه… لا العكس.
وليس هذا قولًا يُروى، بل مشهدٌ يُرى وهاك نماذج من الحياة :
في جدة التاريخية ؛ لا تُفهم الأزقة إلا بأقدام العابرين، ولا تُقرأ الجدران إلا بصدى الحكايات.
وفي بوليفارد الرياض ؛ لا تكتمل الفخامة إلا بالازدحام البشري الذي يحوّل الضوء إلى حياة.
وفي سوق الطائف التراثي ؛ لا معنى للدكاكين إلا بما يحيطها من دفء اللقاء.
هذه الأمكنة، على اختلافها، تتحد في حقيقة واحدة:
أنها بلا بشر… أجسادٌ بلا روح، وصورٌ بلا نبض.
فلو أُفرغت من الإنسان، مهما أُتقن بناؤها، ومهما أُغدقت عليها الزينة، ومهما أُلبست من أضواء ؛ لبقيت خاوية، ولو تزيّنت بالألماس.
وهنا يقترب المعنى من روح مارتن هايدغر حين جعل “السكن” وجودًا ذا معنى، لا مجرد إقامة في فراغ؛ فإذا غاب المعنى ؛ صار المكان قشرةً لا حياة فيها.
ومن صخب الحاضر إلى صمت الغائب ؛ تتجلّى الحقيقة في الوقوف على الأطلال.
لم يكن العربي يقف على الديار إعجابًا بالحجر، بل حنينًا إلى من سكن الحجر؛ وكما قال أبو الطيب المتنبي:
بِمِثْلِكَ تُمْسِي الدّارُ آهِلَةً لا بِالدُّورِ؛
فالدار تُبنى بالإنسان، لا الإنسان بالدار.
الديار لا تُبكي لأنها ديار، بل لأنها كانت عامرةً بمن أحببناهم؛ فإذا غابوا، صار صمتها أبلغ من كل كلام.
وكأنّ جلال الدين الرومي ؛ يعيد تشكيل المعنى حين يقول: حيث يكون الحب ؛ يكون المكان؛ فالمكان بلا حبّ ؛ مجرّد فراغ.
ويُحكِم مالك بن نبي هذا الميزان حين يجعل الإنسان محور الحضارة؛ فليست الأشياء ما يصنع النهضة، بل الإنسان إذا وُجد، ووعى، وتحرك.
إننا لا نرتبط بالأماكن كما نظن… بل بمن كانوا فيها.
نشتاق إلى صوتٍ، إلى وجهٍ، إلى حضورٍ كان يملأ الفراغ معنى.
وكأنّ مارسيل بروست ؛ يلمّح إلى أن الذاكرة هي التي تبني المكان من جديد، لا المكان نفسه.
فإذا غاب الإنسان ؛ غاب معه كل شيء، وبقي المكان شاهدًا صامتًا على ما كان.
وفي النهاية ؛ تتكثف الحقيقة في جملةٍ واحدة:
كما يُفهم من روح الفكر الحضاري عند أنطونيو غرامشي…
حيث يكون الإنسان ؛ تكون الحياة، وما سواه صدىً ينتظر أن يُملأ .
كاتب رأي
