كُتاب الرأي

*إيران واختلال ميزان القوة في عالمٍ متحوّل*

*إيران واختلال ميزان القوة في عالمٍ متحوّل*

*عبدالمحسن محمد الحارثي*

لم يعد العالم اليوم يستقر على حالٍ من التوازنات الثابتة، بل غدا فضاءً متحوّلاً تتداخل فيه المصالح، وتتبدّل فيه الاصطفافات، حتى أصبح الموقف يُعاد تعريفه تبعاً للظرف لا تبعاً للمبدأ، وللمقدرة لا تبعاً للمعيار، وكأن السياسة لم تعد فن الممكن فحسب، بل إدارة دائمة لاحتمالات مفتوحة تُنتج المخاطر بقدر ما تُنتج الفرص، حيث لا تبقى القوة قيمة مستقرة، بل اختباراً مستمراً لمدى القدرة على ضبط نتائجها قبل إنتاجها.

وفي هذا السياق ؛ فإن إيران ليست طرفاً ثانوياً في المعادلة الإقليمية، بل أحد مراكز الثقل الفاعلة في إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط.
ومنذ الثورة الإسلامية الإيرانية 1979 ؛ انتقلت السياسة الإيرانية من منطق الدولة الوطنية – رغم تحفظي على كلمة دولة- إلى منطق الامتداد الإقليمي متعدد الساحات، عبر أدوات سياسية وأمنية وعسكرية متشابكة، غير أن جوهر الإشكال لا يكمن في الاتساع الجغرافي لهذا النفوذ، بل في قدرته على التحول إلى توازن مستدام ؛ لأن النفوذ حين يتجاوز قدرة الدولة على احتوائه يتحول من أداة تأثير إلى عبء استراتيجي يعيد إنتاج التوتر بدلاً من ضبطه.

وهنا تتجلى معادلة أكثر عمقاً: فالقوة التي لا تُترجم إلى توازن ؛ لا تبقى قوةً بالمعنى الاستراتيجي، بل تتحول إلى استنزاف بطيء، يجعل من الدولة أسيرة لامتدادها، لا مالكة له، وكأن السياسة في هذه الحالة تعيد تعريف نفسها عبر كلفة ما تنتجه لا عبر حجم ما تملكه.

وفي هذا المعنى ؛ فإن الخلل لا يكمن في امتلاك القوة، بل في هندسة استخدامها. فالتجربة التاريخية تثبت أن الدول لا تنهك دائماً بضعفها، بل كثيراً ما تُستنزف بقوتها حين تُدار خارج منطق التوازن، وحين تتقدم الرغبة على التقدير، فتتحول القوة من أداة استقرار إلى مصدر اضطراب مزمن ؛ لأن “ما لا يُضبط بعقل الدولة يتحول إلى عبء عليها مهما بدا في ظاهره تفوقاً”.

وفي ملف السلاح النووي ؛ لا يتعلق الأمر بقدرة تقنية، بل بمنطق الردع ذاته.
وقد دلّت تجربة الحرب الباردة على أن الاستقرار لم يكن وليد غياب السلاح، بل ثمرة انضباط صارم في قرار استخدامه، حيث كانت القوة الحقيقية هي القدرة على الامتناع عن تفعيلها، إدراكاً أن لحظة الاستخدام ليست قراراً عادياً، بل نقطة لا عودة في السياسة الدولية.

لكن العالم اليوم دخل مرحلة مختلفة؛ أقل انضباطاً وأكثر تشظياً، حيث الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة والحروب غير المتماثلة لم ترفع فقط مستوى القوة، بل خفّضت عتبة القرار، حتى أصبح الخطأ في الحساب جزءاً من بنية الاحتمال لا استثناءً عليه، وصار “سوء التقدير” هو الأخطر من الفعل نفسه.

وفي هذا الإطار ؛ تتحرك الولايات المتحدة وفق منطق منع الانتشار وإعادة ضبط ميزان الردع، بينما تتعامل إسرائيل مع الملف من زاوية الأمن الوجودي المباشر، حيث لا يُنظر إلى التهديد كاحتمال بعيد، بل كخطر وجودي يجب احتواؤه قبل تشكّله.
وبين هذين المنظورين ؛ يبقى الإقليم في حالة توازن هشّ متعدد المراكز، حيث لا توجد جهة قادرة على ضبط الإيقاع العام، ولا طرف يملك وحده تعريف الاستقرار.

وهنا يتضح جوهر الإشكال: أن اختلال الحسابات في هذا الملف لا يصنع أزمة بين أطراف محددة، بل يعيد تشكيل بنية الأمن الإقليمي بأكمله ؛ لأن أخطر ما في هذه المرحلة أن تتحول السياسة من إدارة عقلانية للمخاطر إلى تفاعلات رد فعلية، وأن يتقدم الفعل على التقدير، حتى تصبح الحروب امتداداً لأخطاء الحساب لا نتاجاً لقرارات محسوبة.

وفي هذا السياق ؛ تصبح المعادلة أكثر حِدّة وأقل قابلية للتأويل: القوة في الشرق الأوسط لم تعد تُقاس بامتلاكها، بل بقدرة ضبط استخدامها ؛ لأن امتلاك القوة دون القدرة على كبح لحظة انزلاقها هو الشكل الأكثر خطورة من فقدانها.

وفي نهاية المطاف ؛ لا يُقاس الخطر بامتلاك القوة، بل بقدرة من يملكها على ضبط استخدامها في لحظة القرار، داخل نظام دولي لا يمنح رفاهية الخطأ، ولا يتيح فرصة سهلة لتداركه، حيث تتحول الحكمة من قيمة أخلاقية إلى شرط بقاء، ومن خيار سياسي إلى ضرورة استراتيجية.

والخلاصة ؛ أن القوة ليست موضع الخطر، بل موضع الاختبار الأعلى: فإن قادها العقل استقرت، وإن تخلّى عنها الرشد تحولت إلى قوة بلا كوابح، تعيد تشكيل الإقليم والعالم على نحو لا يرحم سوء التقدير.

كاتب رأي 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى