تموضع منظومة التعليم ..وتمايز مؤسساته “

تموضع منظومة التعليم ..وتمايز مؤسساته “
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز
تمثل مبادرة “تموضع منظومة التعليم ..وتمايز مؤسساته” فرصة جوهرية لتوفير الرعاية والدعم اللازمين لبرامج البحث والابتكار والتنافسية وسوق العمل، مع تمكين التعليم العام من التركيز على مهمته الجوهرية في بناء الأساس التعليمي الوطني.
وهي لا تقترح فصلًا شكليًا، ولا تدعو إلى عزل المسارات التعليمية عن بعضها، بل تدعو إلى:
1. حوكمة أكثر وضوحًا وتخصصًا
2. تكامل أكثر صرامة في البيانات والمسارات
3. عدالة أكبر في تقييم الجامعات ومؤسسات التعليم العالي وفق رسائلها المتمايزة.
وفيما يلي استعراض لأهم مرتكزات هذه المبادرة:
اولا : الفكرة العامة للمبادرة
تقوم هذه المبادرة على فكرة جوهرية مفادها أن التعليم العام والتعليم العالي مجالان متكاملان، ولكنهما مختلفان في طبيعة الرسالة وأدوات القرار ومؤشرات النجاح. فالتعليم العام معني ببناء القاعدة الوطنية المشتركة للطالب، وترسيخ المهارات الأساسية والقيم وجودة المعلم وعدالة الوصول.
أما التعليم العالي، فهو منظومة أكثر تخصصًا وارتباطًا بالبحث والابتكار والتنافسية العالمية، وبناء القدرات المتقدمة، ومواءمة المخرجات مع التحولات الاقتصادية وسوق العمل.
وبالتالي فإن جوهر هذه المبادرة يتمثل في تمكين كل مسار تعليمي من قيادة متخصصة تليق بطبيعته؛ بحيث يتفرغ التعليم العام لبناء الأساس الوطني للطالب، ويتفرغ التعليم العالي لصناعة المعرفة والابتكار والتخصص والمواءمة المتقدمة مع سوق العمل.
ومن هذا المنطلق، تقترح المبادرة النظر في إعادة تصميم الحوكمة التعليمية بما يمنح التعليم العالي مساحة مؤسسية مستقلة ومركزة،
ولا بوصف ذلك فصلًا إداريًا شكليًا، بل بوصفه تحولًا نوعيًا في إدارة ملف وطني بالغ الأهمية.
فالغاية ليست إنشاء هيكل جديد بقدر ما هي
1. تمكين التعليم العالي من أداء دوره الحقيقي في بناء اقتصاد معرفي،
2. وتعزيز البحث والابتكار،
3. وتنويع مسارات الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والمهنية وفق رسائلها المختلفة.
ثانياً : أهمية المبادرة
تأتي أهمية هذه المبادرة من كونها تعالج تحديًا بنيويًا لا يقتصر على توزيع الاختصاصات، بل يمتد إلى طريقة إدارة الأولويات الوطنية في التعليم.
فجمع التعليم العام والتعليم العالي ضمن حقيبة تنفيذية واحدة قد يؤدي إلى تزاحم الملفات، حيث تستحوذ القضايا التشغيلية الواسعة في التعليم العام على جزء كبير من الطاقة المؤسسية،
بينما تحتاج قضايا التعليم العالي إلى سرعة قرار، ومرونة تنظيمية،
وقدرة مستمرة على التعامل مع
1. البحث العلمي، والابتكار،
2. والتصنيفات العالمية،
3. والشراكات الدولية،
4. والابتعاث، والتخصصات المستقبلية،
5. وسوق العمل.
كما أن التعليم العالي لم يعد منظومة جامعات متشابهة يمكن قياسها بمنطق واحد.
فالجامعة البحثية تختلف في رسالتها عن الجامعة التطبيقية،
والجامعة الشاملة تختلف عن الكلية المهنية أو الأكاديمية القطاعية.
لذلك فإن المبادرة تدعو إلى الاقتناع المؤسسي بهذا التمايز، بحيث تُدار مؤسسات التعليم العالي وفق رسائلها الحقيقية، وتُقاس بمؤشرات عادلة ومناسبة لطبيعة كل مؤسسة.
وتضيف المبادرة قيمة استراتيجية من عدة أوجه؛ فهي :
1. تساعد على تركيز القرار وتخفيف تزاحم الأولويات،
2. وتمنح كل قطاع تعليمي قيادة متخصصة وسريعة الاستجابة.
3. كما تسهم في رفع كفاءة التعليم العالي من خلال تمكين مؤسساته من التمايز بحسب رسالتها، سواء كانت بحثية أو تعليمية أو تطبيقية أو مهنية أو متخصصة.
4. وتدعم كذلك بناء علاقة أكثر نضجًا بين المعرفة الجامعية والمهارات المهنية، دون اختزال الجامعة في التدريب القصير أو إخضاع جميع المؤسسات التعليمية لمؤشر واحد لا يناسب طبيعتها.
5. توفر بيئة مؤسسية أكثر قدرة على رعاية البحث والابتكار وبراءات الاختراع والشراكات والشركات الناشئة،
6. وأن تجعل انتقال الطالب من المدرسة إلى الجامعة أو التدريب أو العمل أكثر وضوحًا وتكاملًا.
ثالثًا: ارتباط المبادرة بالتوجهات الوطنية
تنسجم المبادرة مع:
1. توجهات رؤية المملكة 2030 في بناء اقتصاد مزدهر ومستهدفات التحول الوطني التي تؤكد الاستثمار في الإنسان
2. رفع جاهزية المواطنين للمستقبل
3. تعزيز المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
فقد أكد برنامج تنمية القدرات البشرية أن تطوير القدرات يبدأ من الطفولة المبكرة، ويمر بالتعليم العام والجامعي والتدريب التقني والمهني، وصولًا إلى التعلم مدى الحياة، مع التركيز على مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال.
ولا تكمن قيمة المبادرة في الفصل بذاته، بل في ما يمكن أن ينتج عنه من:
* تركيز أعلى
*حوكمة أوضح
*مساءلة أعدل
*تعليم عالٍ أكثر قدرة على خدمة التنمية الوطنية.
رابعا: الأثر المتوقع من تبني المبادرة
من شأن تبني هذه المبادرة أن يفتح المجال أمام تحول نوعي في إدارة التعليم العالي، من نموذج عام وموحد إلى نموذج أكثر تخصصًا ومرونة وعدالة. وبذلك يمكن أن تصبح الجامعات أكثر وضوحًا في رسالتها، وأكثر قدرة على المنافسة في المجالات التي تناسبها، وأكثر ارتباطًا بالتنمية الوطنية دون التفريط في رسالتها المعرفية.
كما سيساعد القبول المبدئي للمبادرة على إطلاق نقاش وطني منظم حول مستقبل التعليم العالي، يكون بديلاً عن المعالجة الجزئية للملفات الجامعية والبحثية والمهنية.
وعليه فالمؤمل في هذه المرحلة إقرار مبدأ الدراسة والصياغة لمبادرة وطنية تعالج موقع التعليم العالي في منظومة التنمية البشرية والاقتصاد المعرفي.
ومن المتوقع أن ينعكس تبني المبادرة على
التعليم العام من خلال تفرغ أكبر للمدرسة والمعلم والتحصيل والمسارات الثانوية،
وعلى التعليم العالي من خلال قيادة أكثر تخصصًا للجامعات والبحث والابتكار والابتعاث والمواءمة المتقدمة.
كما يُتوقع أن يعزز ذلك علاقة أوضح بين البرامج الجامعية والمهارات والقطاعات الاقتصادية، وأن يمنح الطالب مسارات أكثر وضوحًا بين التعليم العام والجامعي والمهني، وأن يدعم الاقتصاد الوطني في تحوله نحو اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
خامسا : المتوقع من هذه المبادرة
يتمثل تنفيذ عناصر هذه المبادرة في نقلها من مستوى الفكرة العامة إلى مستوى الدراسة المؤسسية المنظمة،
بما يسمح بعرضها لاحقًا على الجهات المختصة بصورة أكثر نضجًا واتزانًا،
وبما يضمن أن تكون الصياغة النهائية مبنية على وضوح الرسالة، واتساقها مع مستهدفات التنمية الوطنية، وحماية التكامل في رحلة الطالب التعليمية.
وبعد الموافقة على هذه المبادرة في شكلها المبدئي وفي حالة تبني الفكرة مبدئيًا يمكن صياغتها في وثيقة متكاملة ( بمشاركة المعنيين )
والتي تتضمن تصوراً متكاملاً عن :
1. أهم المبررات، والخيارات التنظيمية،
1. الآثار المتوقعة عند تطبيقها
2. الضمانات اللازمة للتكامل بين التعليم العام والتعليم العالي
3. دراسة البدائل المتاحة بصورة مؤسسية
4. تحديد ما يلزم من ضمانات تنظيمية وبيانية وتكاملية
بما يمنع أن تتحول الفكرة إلى فصل شكلي أو إعادة تسمية إدارية، ويجعلها بدلًا من ذلك مشروعًا وطنيًا لتطوير الحوكمة التعليمية وتعزيز أثرها في التنمية.
وعليه، فإن تبني المبادرة مبدئيًا يمثّل ( من وجهة نظري) خطوة مناسبة لفتح مسار مؤسسي مدروس نحو تعليم عام أكثر تركيزًا، وتعليم عالٍ أكثر قدرة على المنافسة والابتكار وخدمة التنمية الوطنية.
والله من وراء القصد.
كاتب رأي