كُتاب الرأي

*ما قبل السجن… هناك قصة لا يراها أحد.*

*ما قبل السجن… هناك قصة لا يراها أحد.*

الجوهرة 

هناك قصصٌ نتمنى ألا تُروى، ليس لأنها نادرة، بل لأنها موجعة إلى الحد الذي يثقل القلب قبل أن يصل إلى أذن المستمع.

حدثني أحدهم فقال: “دخلت سجون الأحداث، فرأيت مراهقين في مقتبل العمر، بعضهم متهم بالاتجار بالمخدرات، وآخرون بالتعاطي أو بجرائم ارتبطت بذلك. خرجت من السجن وأنا لا أحمل في قلبي سؤالًا عن الجريمة فقط، بل سؤالًا أكبر: أين الخلل؟”

يقول: “لم أكن أبحث عن تبريرٍ لما فعلوه، فكل إنسان مسؤول عن أفعاله، لكنني كنت أبحث عن السبب الذي أوصلهم إلى هذه النهاية.”

ظللت أيامًا أفكر، ثم قررت أن أزور القرى والأحياء التي جاء منها هؤلاء الشباب. وهناك رأيت ما يكفي ليكسر القلب؛ بيوتًا هدّها الفقر، وأسرًا أثقلتها الحاجة، وآباءً كسرتهم البطالة، وأمهاتٍ يحاولن أن يخفين دموعهن عن أطفالهن، ومراهقين يملكون من الفراغ أكثر مما يملكون من الأمل.

وفي أحد البيوت، قالت لي أمٌ بصوتٍ يختلط فيه الخجل بالألم: “كان ابني إذا رأى جوعنا وحاجتنا، يخرج من المنزل ولا يعود إلا في المساء، ومعه مال كثير.”

قلت لها: “ألم تسأليه من أين جاء بهذا المال؟”

قالت: “كان يقول إن أهل الخير ساعدوه، فكنت أصدق… لأنني كنت أريد أن أصدق.”

لكن الحقيقة كانت أشد قسوة. فقد اكتشفنا أن أحد تجار المخدرات كان يراقب تلك الأسر، ويعرف مواطن ضعفها، فيستغل فقرها، ويغري أبناءها بالمال، ثم يسحبهم خطوةً بعد أخرى، حتى يجدوا أنفسهم في طريقٍ مظلم، يكون الرجوع منه أصعب من الدخول إليه.

خرجت وأنا أحمل سؤالًا واحدًا: كم شابًا كان يمكن أن يعيش حياةً مختلفة لو وجد فرصة عمل في بيئته، أو تعليمًا يحتضنه، أو مكانًا يملأ فراغه، أو شخصًا يأخذ بيده قبل أن يأخذه أصحاب السوء؟

نحن غالبًا لا نرى إلا الجريمة، لكننا لا نرى الجوع الذي سبقها، ولا البطالة التي كسرت الأسرة، ولا الفراغ الذي ابتلع الأحلام.

ليس الفقر عذرًا للجريمة، وليس كل فقيرٍ مجرمًا، ولكن الفقر والبطالة والفراغ قد تكون أبوابًا يتسلل منها من يتاجر بأحلام الشباب، ويستغل حاجتهم، ويحوّل ضعفهم إلى وسيلةٍ لتحقيق مكاسبه.

لهذا، فإن حماية شبابنا لا تبدأ عند أبواب السجون، بل تبدأ عندما نحارب الفقر، ونوفر فرص العمل، ونحتضن أبناءنا، ونملأ أوقاتهم بما ينفعهم، ونصنع لهم أملًا أكبر من أي إغراء.

قلبي موجوع… ليس لأنني رأيت مراهقين خلف القضبان، بل لأنني رأيت أحلامًا كان يمكن أن تصبح أطباء، ومهندسين، ومعلمين، وآباء صالحين، لكنها ضاعت في طريقٍ بدأ بالحاجة، وانتهى بالندم.

وقبل أن نحكم على النهاية، لنسأل أنفسنا دائمًا: من الذي ترك البداية بلا حماية؟

كاتبة رأي وخواطر وشاعرة سعودية 

 

 

الجوهرة

كاتبة رأي وخواطر وشاعرة سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.