حلمٌ استيقظ

حلمٌ استيقظ
ذات ليلة، رأيت في المنام أنني مديرة لمدرسة كبيرة، تجمع المرحلتين المتوسطة والثانوية.
لم أكن منشغلة في الحلم بالجرس المدرسي، ولا بالحصص، ولا بدرجات الطالبات، بل كنت أفكر في شيء آخر؛ شيء لا تراه العين بسهولة، ولا تظهره دفاتر الدرجات.
كنت أنظر إلى الفتيات وأتساءل:
كم واحدة منهن تبتسم، وفي داخلها حكاية لا تستطيع روايتها؟
وكم واحدة تبدو مشاكسة، بينما تخفي خلف غضبها خوفًا أو ألمًا؟
وكم واحدة صمتت طويلًا، لأن الكلام بالنسبة إليها كان أكثر خطورة من الصمت؟
في تلك المدرسة التي رأيتها في حلمي، كان هناك صندوقان متقابلان.
الأول: صندوق لا يبوح بالاسم.
تضع فيه الطالبة مشكلتها دون أن تكتب اسمها، ودون أن تضطر إلى الوقوف أمام أحد والاعتراف بما يؤلمها. وتضع معها رمزًا سريًا خاصًا بها، لتستطيع متابعة الرد دون أن تكشف هويتها.
وفي الجهة المقابلة صندوق آخر، تجد فيه الطالبة الرد على مشكلتها بالرمز نفسه.
لا أسماء، ولا إحراج، ولا خوف من أن تتحول الحكاية إلى حديث في ممرات المدرسة.
مجرد مساحة آمنة تقول لها:
«لقد سمعناكِ.»
ثم استيقظت.
لكن الحلم لم يستيقظ معي.
بقي في داخلي، وبدأت أفكر في بناتنا في هذه المرحلة الحساسة من العمر؛ المرحلة التي لا تعود فيها الفتاة طفلة تمامًا، ولم تصل فيها بعد إلى اكتمال النضج.
مرحلة تتشكل فيها الشخصية، وتشتد فيها المشاعر، وقد تصبح الكلمة جرحًا، والنظرة حكمًا، والموقف العابر ذكرى لا تُنسى.
قد تكون بين الطالبات فتاة تتعرض للتنمر، وأخرى تحمل ألمًا من عنف أسري، وثالثة تحمل أثر موقف مؤذٍ تخشى الإفصاح عنه، ورابعة تعاني ضيقًا ماديًا تخشى أن يعرفه أحد، وخامسة تحمل ضغطًا نفسيًا لا تعرف كيف تصفه.
وربما تمر إحداهن في أروقة المدرسة وهي تضحك، بينما تحمل في داخلها من الحزن ما يكفي لإسكات مدينة.
ثم نطلب منها أن تكون هادئة، مطيعة، متفوقة، ومثالية.
لكننا ننسى أحيانًا أن وراء السلوك قصة.
فالطالبة التي تكثر مشكلاتها قد لا تكون هي المشكلة؛ ربما هناك مشكلة أكبر تختبئ خلفها.
وقد تكون الطالبة التي ينفر منها بعض المعلمات أكثر الطالبات احتياجًا إلى أن يقترب منها أحد، لا ليوبخها، بل ليسألها بهدوء:
«ماذا يؤلمك؟»
غير أن السؤال المباشر قد يغلق الأبواب.
الخجل يمنعها، والخوف يمنعها، والحرص على سمعتها يمنعها، والخوف من أن تصبح حكايتها حديثًا بين صديقاتها يمنعها.
فلماذا لا تكون في مدارسنا مساحة آمنة للكلام؟
ولعلنا كنا نملك مثل هذه المساحة قديمًا، دون أن ندرك قيمتها.
كانت هناك مادة اسمها «التعبير الحر»، تكتب فيها كل فتاة شيئًا من داخلها. واحدة تكتب عن فقد أمها، وأخرى عن فقد أبيها، وثالثة عن الأمان الذي افتقدته، وربما كتبت إحداهن عن حزن لا تعرف كيف تسميه.
لم يكن السرد قويًا كما هو اليوم، لكن الفكرة كانت تصل، والشعور كان يصل، وأحيانًا كان الألم يصل دون أن نقصد.
ربما كانت تلك الأوراق البسيطة نافذة صغيرة إلى عالم الطالبة الداخلي.
ولهذا أتمنى أن تعود هذه المساحة، ولو تغيّر اسمها وتطورت طريقتها؛ فالمهم أن تبقى للفتاة مساحة تعبّر فيها عما بداخلها، دون خوف أو إحراج.
فربما تقول في ورقة ما عجزت عن قوله بصوتها.
نحن نعلم أن التربية مسؤولية الأسرة في المقام الأول، لكن علينا أن نتذكر أيضًا أن كل بيت ليس بالضرورة بيتًا آمنًا، وأن كل فتاة لا تجد خلف باب منزلها من تستطيع أن تلجأ إليه.
قد تكون بين الطالبات فتاة فقدت أحد والديها، أو تعيش في أسرة مضطربة، أو تواجه عنفًا أو إهمالًا، أو تحمل تجربة مؤذية لا تستطيع الحديث عنها.
فإذا كانت الفتاة لا تشعر بالأمان في بيتها، فهل يكفي أن تأتي إلى المدرسة لتتلقى دروسها ثم تعود؟
ألا يمكن أن تكون المدرسة، في بعض الحالات، المكان الذي تلاحظ فيه معلمة أو مرشدة تغيرًا لم يلاحظه أحد؟
المكان الذي تجد فيه الفتاة أول فرصة لتقول: «أنا بحاجة إلى مساعدة.»
لا أقول إن المدرسة بديل عن الأسرة، ولا إن المعلمة مطالبة بحل كل مشكلة، وإنما أقول إن المدرسة يمكن أن تكون جزءًا من منظومة حماية واحتواء، إلى جانب الأسرة والمرشدات والمختصين والجهات المعنية.
ولماذا لا نمنح الفتاة طريقًا آخر للكلام؛ طريقًا لا يبدأ بالمواجهة؟
قد تبدأ المسألة بورقة صغيرة في صندوق.
لكن تلك الورقة ربما تكون بداية نجاة.
قد تكتب طالبة:
«أنا خائفة.»
وأخرى:
«أتعرض للتنمر.»
وثالثة:
«لا أشعر بالأمان.»
ورابعة:
«أحتاج إلى مساعدة، لكنني لا أستطيع أن أقول لماذا.»
هنا لا ينبغي أن يكون الرد مجرد نصيحة عابرة، بل بداية احتواء حقيقي، بسرية ومسؤولية، مع إحالة الحالات التي تستدعي التدخل المتخصص إلى المختصين والجهات المعنية.
فالمقصود ليس أن تتحول المدرسة إلى عيادة نفسية، وإنما أن تصبح بيئة ترى الإنسان قبل أن تحكم على سلوكه.
نحن لا نريد مدارس تخرّج طالبات يحملن الشهادات فقط.
نريد مدارس تخرّج فتيات أكثر وعيًا بأنفسهن، وأكثر قدرة على حماية حدودهن، وأكثر شجاعة في طلب المساعدة، وأكثر رحمة بالآخرين.
نريد أن نقطع الطريق على العنف قبل أن يتحول إلى عادة، وعلى الألم قبل أن يتحول إلى قسوة، وعلى الانكسار قبل أن يتحول إلى سلوك يؤذي صاحبته ومن حولها.
نريد أن نربي جيلًا لا يخجل من طلب المساعدة، ولا يرى الضعف عيبًا، ولا يعتقد أن الصمت هو الطريق الوحيد لحماية نفسه.
فربما تكون المدرسة، في سنوات التكوين تلك، فرصة ثمينة للوصول إلى بعض الجروح قبل أن تكبر.
وربما تكون ورقة مجهولة في صندوق صغير، سببًا في أن تنام فتاة تلك الليلة وهي تشعر للمرة الأولى أن هناك من يسمعها.
ومن يدري؟
ربما خرجت من المدرسة بعد سنوات، تحمل شهادة في يد، ووعيًا في اليد الأخرى.
وربما أصبحت أمًا أكثر احتواءً، وإنسانة أكثر اتزانًا، وشخصًا لا يعيد إلى الآخرين ما ذاقه من ألم.
هكذا يبدأ التغيير أحيانًا…
من صندوق لا يبوح بالاسم.
وأمنيتي أن يأتي يوم نرى فيه مدارسنا أكثر قربًا من الإنسان، ومجتمعنا أكثر أمنًا وسلامًا، وأجيالنا أكثر وعيًا ونضجًا، وأكثر سلامًا في نفوسها واتزانًا في سلوكها.
لعل فكرة صغيرة تُزرع اليوم، تكون غدًا حمايةً لجيل كامل.
والله وليّ التوفيق.
بقلم: الجوهرة
