كُتاب الرأي

حين تُستورد القيم قبل الأعمال

حين تُستورد القيم قبل الأعمال

لم تعد القضية في استيراد الأعمال الفنية، بل فيما يُستورد معها من أفكارٍ وقيمٍ وأنماطِ حياة. فبعض الأعمال التي تُنقل إلى مجتمعاتنا، سواء بإعادة إنتاجها أو تعريبها، لا تكتفي بسرد قصة، بل تعيد تقديم سلوكياتٍ ومفاهيمَ تختلف عن ثوابت مجتمعنا، حتى تبدو، مع كثرة تكرارها، مألوفةً وعاديةً.
ولعل ما يلفت الانتباه أن بعض النسخ العربية لأعمالٍ أجنبية لم تكتفِ بنقل الحبكة، بل نقلت أيضًا تفاصيل العلاقات، وأسلوب الحياة، وطريقة معالجة القضايا الأخلاقية، وكأنها جزءٌ طبيعي من واقعنا، مع أن لكل مجتمعٍ قيمَه وحدودَه التي تُشكِّل هويته.
وليس الأمر مقتصرًا على طريقة العرض، بل يمتد أحيانًا إلى تغيير المسميات؛ فتُقدَّم بعض السلوكيات بأوصافٍ أكثر قبولًا، حتى يبدو المرفوض أقلَّ استنكارًا مع مرور الوقت، وتُعرض بعض الممارسات المخالفة لقيم المجتمع في سياقٍ يجعلها اعتياديةً أو مألوفةً. ومع كثرة التكرار، قد يضعف الإحساس برفضها لدى بعض المشاهدين، ولا سيما صغار السن.
والأمر ذاته ينسحب على بعض أعمال الرسوم المتحركة، التي لم تعد جميعها موجَّهةً للأطفال بالبراءة التي عُرفت بها أعمال الماضي، بل أصبحت بعض الإنتاجات تتضمن رسائل أو رموزًا مرتبطة بقضايا اجتماعية وثقافية، الأمر الذي يدعو الأسر إلى مزيد من الوعي بما يشاهده الأبناء.
لسنا ضد الانفتاح، ولا ضد الاطلاع على ثقافات العالم، لكن الانفتاح لا يعني أن نفقد قدرتنا على التمييز بين ما يناسب مجتمعنا وما لا ينسجم مع دينه وقيمه. فاحترام اختلاف الثقافات لا يمنع أيَّ مجتمعٍ من الحفاظ على هويته، ولا يبرر استيراد كل ما يُنتج دون تمحيص.
وفي النهاية، يبقى الوعي والنقد الواعي هما خط الدفاع الأول؛ فليس كل ما ينجح في بيئةٍ ما يصلح بالضرورة لبيئةٍ أخرى، ولكل مجتمع حقه في الحفاظ على هويته وقيمه.
ويبقى السؤال:
هل المشكلة في الأعمال نفسها، أم في اعتيادنا على تكرار ما كان يُعد يومًا أمرًا مستهجنًا حتى أصبح مألوفًا؟

الجوهرة*

الجوهرة

كاتبة رأي وخواطر سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.