ذكرى وطن

ذكرى وطن
لمرة واحدة، تمنيت أن أكون شاعرة؛ لا لأكتب قصيدة عابرة، بل لأصوغ لوطني كلامًا يليق بمقامه، وأمنحه من الحروف شيئًا مما يستحق. غير أنني كلما حاولت أن أكتب عنه، شعرت أن الكلمات، مهما بلغت من جمال، تظل عاجزة عن الإحاطة بعظمته، وأن الحروف تقف خجلى أمام وطن أكبر من أن تحتويه الصفحات.
يا وطني، يا أرضًا انبعثت من ترابها رسالة النبي الجليل محمد ﷺ، ومنها خرج النور ليشق طريقه إلى العالمين. هنا بدأت الحكاية، وهنا حملت الأرض أثر الرسالة، فكيف لا يكون لك في القلب مقام لا تبلغه القصائد، ولا تصفه العبارات؟
حاولت أن أكتبك بما يليق بمكانتك المستحقة، فكتبت سطرًا، ثم محوته، وكتبت آخر، فإذا بي أكتشف أن فيك من المجد ما يجعل السطر قليلًا، ومن العظمة ما يجعل العبارة قاصرة. فأنت لست وطنًا يوصف فحسب، بل تاريخ يُروى، ورسالة تُحمل، وذكرى تسكن الوجدان.
قد تختلف أقلامنا، وتتباين آراؤنا، وتتعدد طرقنا وأصواتنا، وقد يقف كل واحد منا عند مفترق طريق يختار منه ما يشبهه. لكن حين يُذكر الوطن، تتآلف الأقلام، وتتقارب القلوب، وتتحد الكلمات؛ لأن الوطن أكبر من اختلافاتنا، وأبقى من نزاعاتنا، وأعمق من كل ما يفرق بيننا.
يا من أعزك الله ببيته العتيق، ويا وطنًا حمل رسالة غيرت وجه التاريخ، لست بحاجة إلى كثير من المبالغة في وصفك؛ يكفي أن يُذكر اسمك حتى يعرف القلب مكانك، ويكفي أن تُستعاد ذكراك حتى تمتلئ الروح فخرًا وامتنانًا.
يا وطني، لم أكن أريد أن أكتب لك قصيدة، ولم أبحث عن زخارف الكلام، بل أردت فقط أن أقول شيئًا مما أشعر به تجاهك. لكنني أدركت في النهاية أن بعض الأوطان لا تُكتب، لأن الكتابة لا تفيها حقها؛ إنها تُحب، وتُحمل في القلب، وتبقى حاضرة في الروح ما بقي النبض.