نادي القصة

أصل الماء

أصل الماء

كانت هناك واحة صغيرة، لكنها لم تكن كغيرها من الواحات.
لم يكن ماؤها ينبع من بئر، ولا يأتي من نهر بعيد، بل كان يتدفق من كلمة سكنت القلوب:
لا إله إلا الله.
ولهذا لم تكن عينها تجفّ قط، حتى حين تشتدّ الفصول، ويطول القيظ، وتتشقق الأرض من حولها.
وكانت تحرس الواحة ستُّ حمامات بيضاء، تحلّق كل صباح فوق النخيل، ثم تهبط لتقف حول العين، كأنها تحمي سرًّا قديمًا ورثته الأجيال.
وفي يوم غريب، ظهرت أفعى عند أطراف الواحة. لم تقترب، ولم تهاجم أحدًا، بل اكتفت بالمراقبة من بعيد، ثم همست وهي تنسحب:
ليست المشكلة أن يبقى الماء… بل أن ينسوا لماذا يحبّونه.
مضت الأفعى، لكن همسها ظلّ معلّقًا في الهواء.
وبعد أيام، أقبل ثعلب يحمل صندوقًا لامعًا، وضعه أمام الحمامات، وقال بابتسامة ناعمة:
في هذا الصندوق عالم واسع؛ فيه ما يبرق، وما يلهي، وما يجعل المرء ينسى الوقت. اتركنَ حراسة العين قليلًا، وتعالينَ لترينَ ما وراءه… وما الضرر؟ ستعدنَ غدًا.
ثم أتى الضبع، يقهقه بصوت مرتفع كلما رأى الحمامات تحلّق معًا، ويهتف متندرًا:
أما زلتنَّ تردّدنَ الكلمة نفسها؟ ألا مللتنَّ؟
وتوالى العابرون، كلٌّ يحمل شيئًا جديدًا يصرف الأرواح عن بريق الماء.
لكن الخطر الحقيقي لم يكن يأتي من الخارج.
فمن بين حجارة الواحة، بدأت تخرج فئران صغيرة تتسلل في الظلام، وتقترب من الحمامات لتهمس بالخديعة:
لا حاجة إلى تعليم الصغار تلك الكلمة.
دعوا الماضي ينام.
 لماذا تكونون مختلفين عن العالم؟ لكل زمان لغته، ولكل جيل طريقه.
ومع مرور الليالي، لم يعد الهمس يتردد من بعيد فحسب، بل بدأ يخرج من ألسنة أبناء الواحة أنفسهم.
قالت حمامة لأختها: «ربما كان معهم حق…»
وقالت أخرى: «لن يتغيّر شيء إن نسينا قليلًا.»
وثالثة كفّت عن المجيء إلى العين أصلًا.
عندها أدركت الحمامات الباقيات أن الخطر لم يعد صوتًا يعبر السور، بل غدا فكرًا يسكن الديار.
وساد حول العين صمت ثقيل.
وفجأة، هبّت ريح طيبة من جهة البيت العتيق، فارتجفت فوقه راية بيضاء.
رفعت الحمامات رؤوسها، واسترجعت الذاكرة: إن الواحة لم تصمد لأنها كانت الأقوى، ولا لأنها كانت معصومة من الفتن، بل لأنها لم تفرّط يومًا في أصل الماء.
حلّقت الحمامات الستّ فوق العين، وتساءلت إحداهنّ بوجل:
 ماذا لو تغيّر العالم كلّه؟
وسألت أخرى:
وماذا لو ضحكوا علينا؟
وقالت ثالثة:
وماذا لو بقينا وحدنا؟
فتردّد الصدى بينهنّ بصوت واحد:
يبقى الحقّ حقًّا، ولو قلّ من يحمله.
ثم رفرفت أجنحتهنّ فوق الماء، وانطلق الصوت:
لا إله إلا الله.
لم تختفِ الفئران في لحظة، ولم يُغلق الثعلب صندوقه، ولم يصمت الضبع… لكن شيئًا أصيلًا استيقظ في قلب الواحة.
عاد أهلها ينظرون إلى العين، ويسألون عن سرّها، وعرفوا أن أشدّ ما يهدّد الديار ليس ما يقتحم أبوابها، بل ما يتسرّب إلى القلوب، فيتردّد على الألسنة.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الحمامات تحرس العين وحدها، بل أصبحت تحرس ذاكرة الواحة.
كلما بهرها بريق شاغل، تذكّرت.
وكلما أتاها همس يفرّقها، تذكّرت.
وكلما نبت فيها من يدعوها إلى نسيان أصلها، تذكّرت.
وظلّ الماء يتدفق، وظلّت الواحة تعرف اسمها وأصلها، وبقيت الكلمة الخالدة تسكن القلوب:
لا إله إلا الله.

الجوهرة ✍️

الجوهرة

أديبة وكاتبة رأي وخواطر سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.