كُتاب الرأي

رياح الشرق وسورة الأنفال

رياح الشرق وسورة الأنفال

سلطان عيد المرشدي 

تمتلك المملكة العربية السعودية منظومة صاروخية عُرفت باسم رياح الشرق وهي سلسلة من الصواريخ الباليستية صينية الصنع، لدى قوة الصواريخ الاستراتيجية الملكية السعودية، وتُعد من أبرز أسلحة الردع الاستراتيجي في المنطقة. وتُتداول تقديرات عن قدرة تدميرية للصاروخ الواحد تتراوح بين 1 و3 ميغاطن، أي إن صاروخًا واحدًا من رياح الشرق قد يكون قادرا على إحداث دمار واسع. وهنا تحضر رياح الشرق بوصفها أحدى الرموز المعروفة في تاريخ التسليح السعودي، وشاهدًا على أن حماية الأوطان تحتاج إلى تخطيط بعيد المدى، وإلى قوة تجعل العدوان عليها مكلفًا، والسلام خيارًا أكثر أمنا واستقرارًا. ولكن لدى السعوديين الوضع مغاير لكل شيء ، فالقوة لا تُقاس بعدد الصواريخ وحدها، ولا بحجم الترسانة العسكرية، ولا بما تختزنه الأرض من أدوات الردع ، فهناك قوة أخرى، إنها قوة العقيدة التي تسكن صدور الرجال، والإيمان الذي يجعل الدفاع عن الوطن شرفًا، وحماية المقدسات مسؤولية، والثبات عند الشدائد مبدأ لا يخضع للمساومة. فعلى هذه الأرض يحمل الجميع في صدورهم إيمانًا لا تهزّه العواصف، وفي أيديهم قوة لا تُعدّ للعدوان، وإنما لحماية وطن جعله الله مهبطًا للوحي، ومهدا للرسالة، وقبلة لأكثر من مليار مسلم.

فبين رياح الشرق وسورة الأنفال تتشكل صورة رمزية تجمع بين القوة المادية والمعنوية ،فالصواريخ تمثل جانبا من أسباب الردع، والقرآن يرسخ معاني الإيمان والثبات والتوكل على الله. وليس استحضار سورة الأنفال في الحديث عن القوة أمرا عابرا فهي السورة التي تناولت أحداث غزوة بدر، أولى المعارك الكبرى في التاريخ الإسلامي، حين وقف المسلمون أمام امتحان عظيم، وكانت قلة العدد والعتاد تقابلها قوة الإيمان وحسن التوكل على الله.

يقول الله تعالى: ( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) الأنفال: ١٠ . هذه الآية تختصر فلسفة النصر في العقيدة الإسلامية، فالقوة مهما بلغت لا تستقل بصناعة النصر، والعتاد مهما تطور لا يغني عن توفيق الله. ومع ذلك، فإن التوكل الصادق لا يعني ترك الأسباب، بل الأخذ بها مع اليقين بأن النتائج بيد الله وحده .ولهذا جاءت الآية الأخرى من السورة نفسها لتضع مبدأً واضحًا في إعداد القوة:

 ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ) الأنفال ٦٠

إنها دعوة إلى الاستعداد، لا إلى الغفلة، وإلى امتلاك أسباب القوة التي تصون الأمن وتردع الاعتداء.

لكن السلاح وحده لا يصنع وطنًا عزيزا ، فخلف كل منظومة دفاعية حكّام وشعب، وخلف كل جندي عقيدة، وخلف كل راية تاريخ طويل من الانتماء والتضحيات ، والشعب السعودي الذي يعيش اليوم على أرض الحرمين الشريفين هو امتداد تاريخي لمجتمع شهد بزوغ الإسلام، ومن أرضه خرج الصحابة والتابعون والعلماء والفرسان. وهو شعب يعتز بهذا الإرث العظيم، ويتمسك بعقيدته وقيمه، ويرى في حماية وطنه ومقدساته واجبا دينيا ووطنيا وأخلاقيا. وليس من الإنصاف اختزال هذه الأمة في قوتها العسكرية وحدها ، فالمملكة ليست مجرد حدود تُحمى، بل أرض تحمل ذاكرة الوحي، وفي مكة قبلتها، وفي المدينة مسجد نبيها صلى الله عليه وسلم، وفي تاريخها جذور حضارية ودينية عميقة، ولم تطأ أرضها قدم مستعمر.

وحين نتحدث عن سورة الأنفال في ميادين القتال، فإننا نستحضر معانيها التي تبعث الطمأنينة في نفوس المؤمنين، وتذكرهم بأن الثبات والصبر ووحدة الصف من أعظم أسباب القوة. وما أبلغ قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) الأنفال:٤٥

ثم تأتي الآية التي تليها لتضع أساسًا آخر من أسس النصر:

( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) الانفال ٤٦ ويا لها من مفارقة بلاغية تستوقف القارئ رياح الشرق اسم لقوة عسكرية، وتذهب ريحكم تحذير قرآني من ضياع القوة بسبب التنازع والاختلاف. وكأن المعنى الذي ينبغي أن نستحضره هنا أن امتلاك القوة لا يكفي للمحافظة عليها، بل لا بد من وحدة الصف، وتماسك الجبهة الداخلية، والصبر، والانضباط. فالأوطان لا تسقط دائما عندما ينفد سلاحها، بل قد يبدأ ضعفها حين يتنازع أبناؤها، وتتفكك وحدتها، وتضيع بوصلتها. ومن هنا فإن قوة المملكة الحقيقية لا تكمن في صواريخها وحدها، وإنما في اجتماع عناصر متعددة: قيادة، وشعب، وجيش، واقتصاد، وعقيدة، ووحدة وطنية تجعل أمن البلاد ومقدساتها مسؤولية مشتركة. إننا حين نعتز برياح الشرق، فإننا نعتز بما ترمز إليه من قدرة على الردع والدفاع. وحين نتدبر سورة الأنفال، فإننا نتذكر أن القوة يجب أن تقترن بالإيمان والحكمة والانضباط، وأن الغاية من الاستعداد ليست إشعال الحروب، بل منع العدوان وحماية الأرواح وصيانة الأوطان.

واخيرا …

قد تستطيع الأقمار الصناعية أن ترصد مواقع الصواريخ، وقد تستطيع أجهزة الاستخبارات أن تحصي أنواع الأسلحة، وقد تنشغل مراكز الدراسات بمقارنة القدرات العسكرية، لكنها لا تستطيع أن تزن الإيمان في القلوب، ولا أن تقيس قيمة الانتماء في نفوس الرجال والنساء، وحتى الأطفال، ولا أن تختصر تاريخ أمة في تقرير عسكري.

إن رياح الشرق عنوان للقوة التي تُرى، وسورة الأنفال تذكير بالقوة التي تسكن القلوب، وبينهما وطن يعتز بعقيدته، ويحمي مقدساته، ويأخذ بأسباب القوة، ويؤمن أن النصر لا تمنحه الصواريخ وحدها، ولا تصنعه الجيوش بمعزل عن توفيق الله.فلتكن رياح الشرق قوة تردع المعتدي ولتكن سورة الأنفال تذكر بالثبات ووحدة الصف وليبق اليقين راسخا بأن القوة تُعد في الارض واما النصر فيعد في السماء .

كاتب رأي 

المستشار سلطان عيد المرشدي

مستشار اسري ، صحفي ، مؤلف ، كاتب رأي ،عضو هيئة الصحفيين السعوديين ، عضو الجمعية السعودية للارشاد النفسي بجامعة الاميرة نورة ، مرخص من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام ، حاصل على وثيقة العمل الحر كاتب من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ،كاتب بصحيفة آخر اخبار الارض ، كاتب بمنصة همسة وصل ،عضو مجتمع المواهب السعوديين ، صدر لي كتاب آصِرة وكتاب غرفة ١٧ وكتاب خلف ابواب الفصول .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.