كُتاب الرأي

الذين ماتوا بالتقسيط؟

الذين ماتوا بالتقسيط؟

سلطان عيد المرشدي 

ليس كل الموتى تحت التراب، بعضهم يجلس معنا يضحك، يعمل، يتبضع، ويعود مساءً إلى بيته… لكنه مات منذ سنوات، وكأن موته على أقساط! لم يمت في حادث، ولم يُعلن أحد خبر وفاته، ولم تُنصب له خيمة عزاء، ولم يتلقَّ أهله فيه التعازي. كأن موته أكثر هدوءًا من ذلك بكثير، مات يومًا بعد يوم، وشيئًا بعد شيء، حتى لم ينتبه أحد إلى أن الرجل الذي ما زال يمشي بينهم لم يعد هو الرجل الذي كأنه ذات يوم! دفع القسط الأول حين تنازل عن حلم كان يؤمن به، وقال لنفسه: ليس هذا وقته أو لن أنجح في تحقيقه. ودفع الثاني حين بقي في مكان يطفئه كل صباح لأنه خاف أن يبدأ من جديد. ودفع الثالث حين ابتلع كلمات أهانته كي لا يخسر أحدًا. ثم توالت الأقساط ،حلم هنا، وكرامة هناك، وشغف يتساقط في الطريق، ورغبة مؤجلة، وصوت يخفت، حتى أصبح يؤدي الحياة بدل أن يعيشها ، وهكذا لا يموت بعض الناس مرة واحدة، إنهم يتناقصون. تأخذ الحياة منهم قطعة كلما رضوا بما لا يشبههم، وكلما أقنعوا أنفسهم أن التكاسل قدر، وأن الصمت حكمة في كل الأحوال، وأن التحمل بطولة حتى عندما يتحول إلى استنزاف. يعتادون الألم حتى يصبح جزءًا من أثاث أرواحهم، ثم ينسون أن الحياة كان يفترض أن تكون شيئًا آخر وأقسى ما في هذا النوع من الموت أنه لا يلفت انتباه أحد ، فالناس لا يرون إلا جسدًا يتحرك. يرونه في عمله، وفي المناسبات، وبين أصدقائه، يبتسم للصور، ويرد على الرسائل، ويسأل الآخرين عن أحوالهم. لا أحد يسمع ذلك الانهيار الهادئ في داخله، ولا أحد يعرف كم مرة عاد إلى بيته يحمل نفسه كما يحمل المرء حقيبة ثقيلة لا يستطيع التخلص منها.

هناك من مات يوم أصبح رضا الناس أهم من رضاه عن نفسه، ومن مات حين قضى عمره يمثل دورًا اختاره له الآخرون، ومن مات عندما أقنعوه أن أحلامه أكبر من قدراته، ومن مات حين ظل سنوات يطرق بابًا لا يُفتح، ويطلب تقديرًا لا يأتي، ويبرر لمن يؤذيه، ويمنح الفرصة تلو الأخرى حتى لم تبقَ له فرصة يمنحها لنفسه. والغريب أننا نصف كل ذلك أحيانًا بكلمات جميلة: صبر، تضحية، وفاء، تحمّل، عطاء، إحسان. كل هذه جميلة ولكن عندما تكون استنزاف وعلى حساب صحتنا وأرواحنا، أو عندما تعطى لمن لا يقدرها، فهنا تكون كالقشة التي قصمت ظهر البعير. مع أن الصبر لا يعني أن تسكن الألم إلى الأبد، والتضحية لا تَعني أن تذبح نفسك ليعيش الآخرون مرتاحين، والوفاء لا يعني البقاء في كل مكان يستهلك روحك. بعض الرحيل نجاة، وبعض الرفض حياة، وبعض كلمة “لا” ليست قسوة، بل جهاز إنعاش لإنسان أوشك أن يفقد نفسه. كم إنسانًا نعرفه كان ممتلئًا بالحياة ثم أصبح نسخة باهتة من نفسه؟ أن يستيقظ كل صباح ولا يسأل: ماذا أريد؟ بل: ماذا يريد الآخرون مني؟ وأن يقيس نجاحه بقدرته لا على الحياة بل بقدرته على الاحتمال، حتى تمر السنوات ويكتشف متأخرًا أنه كان حاضرًا في حياة الجميع… وغائبًا عن حياته. لكن الجميل في الإنسان أن بعض الموت ليس نهائيًا ، يمكن لقلب خمد سنوات أن يستيقظ، ولحلم دُفن أن ينفض عنه التراب، ولإنسان عاش طويلًا كما يريد الآخرون أن يقف ذات صباح ويقرر أن يعيش ما بقي كما يريد الله له من حياة كريمة ذات معنى. قد لا نستطيع استعادة السنوات التي ذهبت، لكننا نستطيع إنقاذ السنوات التي بقيت. لذلك، فتّش في داخلك جيدًا، كم قسطًا دفعت من نفسك حتى الآن؟ لا تنتظر حتى تسدد القسط الأخير.

فما دام فيك قلب يتمنى، وعقل يسأل، وروح تضيق بما لا يليق بها، وحلم صغير يطرق جدار صدرك كل ليلة، فأنت لم تمت بعد. ربما حان الوقت أن تتوقف عن دفع الأقساط…

كاتب رأي 

المستشار سلطان عيد المرشدي

مستشار اسري ، صحفي ، مؤلف ، كاتب رأي ،عضو هيئة الصحفيين السعوديين ، عضو الجمعية السعودية للارشاد النفسي بجامعة الاميرة نورة ، مرخص من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام ، حاصل على وثيقة العمل الحر كاتب من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ،كاتب بصحيفة آخر اخبار الارض ، كاتب بمنصة همسة وصل ،عضو مجتمع المواهب السعوديين ، صدر لي كتاب آصِرة وكتاب غرفة ١٧ وكتاب خلف ابواب الفصول .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.